EMTC

«المرأة الغامضة».. يا للقسوة كل هذا يحدث

إيرينا محاصرة بين الماضي والحاضر والمستقبل. آوت ناو

هناك سؤال مشروع له أن يطالعنا كلما عدنا بالذاكرة إلى فيلم «سينما باراديسو» 1988 يتمثل بالبحث عن ما يفعله مخرجه جيسوبي توناتور والتفتيش عن جديده، ولعل الإجابة ستكون في آخر أفلامه La Sconosciuta (المرأة الغامضة) الذي انتج عام 2006 والذي سنعرض له في ما يلي، من دون أن يمنعنا ذلك من التأكيد على حقيقة بأن توناتور ما زال إلى الآن يعاني من وطأة «سينما باراديسو» كوننا نمضي إلى أفلامه متسلحين برغبة عارمة في أن نشاهد شيئاً يشبهه، وعلى قدر من روعته.

إنها لعنة لها أن تطاله كونه اقترف ذنباً يتمثل بتقديمه فيلماً لا يُنسى، عُرف حول العالم من خلاله، ولعل هذه اللعنة لم تفارقه لا في «أسطورة 1900» ولا في «مالينا» 2000 حيث بقي «سينما باراديسو» بعيداً عن المقارنة معهما، كما هو الحال مع «المرأة الغامضة».

يُحكى الآن عن جديده «باريا» الذي شارف على الانتهاء منه، وعلى شيء يعزز ما تقدم، فكل ما كتب عنه للآن يسعى للتأكيد أنه يحمل الكثير من «سينما باراديسو»، وله أن يتحلى بالدفء المتأتي من الذاكرة والسيرة الذاتية، حيث تدور أحداث الفيلم في صقلية وتلعب بطولته مونيكا بيلوتشي بكامل أنوثتها كما كان عليه حالها في «مالينا».

توناتور مقلّ، وفي الوقت نفسه يحرص على التنويع، وليقدم في فيلمه «المرأة الغامضة» جرعة تشويق وإثارة هذه المرة، ولعلها على قدر كبير من الخصوصية التي ستفقدنا صوبنا من شدة حجم تلك الجرعة، بمعنى أن هذا الفيلم الذي كتبه وأخرجه توناتور يأتي إلينا مزدحما بالأحداث والخيوط والعودة في الزمن، وعلى إيقاع سريع ومشدود واحد، لدرجة تفلت فيه بعض الخيوط.

اسم المرأة الغامضة إيرينا (كيسينا رابوبورت)، لها ماضٍ مزدحم بالصور والعذابات تبقى تتكرر طيلة الفيلم. ايرينا من أوروبا الشرقية نقع عليها في الحاضر تسعى لأن تعمل خادمة في إحدى البنايات، مع أنها استأجرت شقة مقابلة لتلك البناية الفخمة، كما أنها تحمل مبالغ مالية كبيرة، ومن ثم تسعى للعمل في شقة محددة في تلك البناية، لدرجة تقدم فيها على التسبب بسقوط خادمة تلك الشقة على الدرج والتسبب بشللها التام، لا لشيء إلا لتحل مكانها، وهذا ما يحدث.

القصة متشابكة جداً، ماضي ايرينا من جهة، والذي سيؤكد لنا بأنها كانت تعمل عاهرة وقد تعرضت لاعتداءات عجيبة مليئة بشتى أنواع الانحرافات الجنسيـة، ومـن جهة أخرى فإنها كانت على علاقة حب مع شاب، قدم لها في أول مرة التقاها فيها الفراولة، وعليه نجدها طيلة الوقت تأكل الفراولة وصورته لا تفارقها، ومن ثم تنشأ بينها وبين ابنة العائلة التي تعمل معها علاقة مفرطة التعقيد، والتي يتسيدها أولاً وأخيراً حب كبير، وفي الوقت نفسه نشاهدها تحاول معرفة الرقـم السري لخزنـة العائلـة كون الأب والأم يعملان في صناعة الذهب والمجوهـرات.

هذا من بعض ما نشاهده، قبل أن نصل إلى النهاية التي نكتشف فيها كل شيء، فإيرينا لا تعمل عاهرة فقط، بل إنها ولادة، بمعنى أنها تجبر على ممارسة الجنس مع رجال تجهلهم والإنجاب منهم، ثم بيع أولادها من دون حتى أن تتمكن من رؤيتهم، هذا الأمر قامت به تسع مرات، أي أنها أنجبت تسع مرات إلا أن المرة الأخيرة لم تستطع التأقلم مع فقدانها ابنتها، ظلت عالقة في رأسها، وراحت تبحث عنها بجنون، ولتكون تلك البنت هي ابنة العائلة التي تعمل لديها.

في النهاية سيكون كل ذلك وهماً، ففحوص ال «دي ان ايه» ستثبت غلطها، وليترافق ذلك مع اكتشافات كثيرة، سواء من جهة المافيا التي كانت تستغلها، وأشياء أخرى لا مجال لحصرها، ذلك أن في الفيلم الكثير من الأحداث والاكتشافات، والتي سيكون بعضها من دون مبرر درامي.

ينجح «المرأة الغامضة» بأن يأخذنا في لعبة التشويق إلى ما لا نهاية، ولتكون هذه المرأة أعجوبة بحق، ولعله درس إيطالي في التشويق يطل برأسه مع هذا الفيلم الذي يأتي أيضاً من تناغمه مع محاولة لرصد واقع مرير، وليبقى السؤال غير المشروع لدى مقاربة عمل فني ومحاكمته وفق شروطه، ألم يكن تقديم قصة ايرينا كما سنكتشفها في النهاية ومن دون منكهات التشويق أشد وقعاً؟ بمعنى أن كثرة التشويق تشتت الانتباه عن الألم الحقيقي، عن مأسـاة تلـك المرأة وغيرها من نساء خاضعات لتجـارة الرقيق الأبيض، فقصـة ايرينا قـادرة لوحدهـا أن تقول الكثير، ولا حاجة لها بشيء.

طباعة