«المليونير الفقير» الحب الطالع من أحشاء البؤس

مشهد من الفيلم شاغل العالم في هذه الأيام. آوت ناو

لا يمكن مقاربة الفقر، بل الانقضاض عليه، كما أن كل الآمال البشرية بوضع حد له، أصبحت قبض الريح، ما دام العالم أقر بأن وجوده واستمراره مرتبط بعدد الفقراء، فكلما ازداد فداحة كلما ازداد نمو العالم وتقدمه وازدهاره، وعلى ما صار في الثلاثين سنة الأخيرة أمراً مسلماً به، بعد تحيد كل الأفكار الكبرى بالعدالة الاجتماعية والثورة وما إلى هنالك، وتحديداً بعد عولمة كل شيء وتسيد كل مفرزاتها السلبية عوضاً عن الايجابية، بحيث صار التمرد على الوضع القائم، تمرداً على زيادة الوزن، وثورة نباتية ضد مطاعم الوجبات السريعة، أو فوزاً ساحقاً في برامج تلفزيون الواقع، والإيهام بأن خوض غمار حمية غذائية هو أعظم التجارب الإنسانية.

طبعاً في ما تقدم مراكز رأسمالية صاغت هذا العالم، وبالتأكيد أطراف استجابت بالعماء المطلوب لها، كأن يحكى عن الهند بوصفها من أقوى الاقتصاديات في العالم بينما ملايين الفقراء لا يجدون كفاف يومهم، ولعل كل ما تقدم سيقودنا بالتأكيد إلى فيلم Slumdog Millioner (المليونير الفقير) الذي يعرض حالياً في دور العرض المحلية، وليكون هذا الفيلم شاغل العالم في هذه الأيام مع توقعات كثيرة بأنه سيكون الحاصد الأكبر لأوسكارات هذا العام.

في مقدمتنا الطويلة ما يشكل خلفية لهذا الفيلم، الذي يحكي في قالب مميز قصة جمال مالك (ديف بيتل) الذي سنقع عليه من البداية يتعرض للتعذيب على يد الشرطة، لا لشيء إلا لأنه في طريقه لأن يصبح مليونيراً، ولكونه قد أجاب عن معظم الأسئلة في مسابقة «من سيربح المليون»، بحيث يكون التعذيب واستعادة الحلقة التي أجاب فيها عن الأسئلة مساحة لاستعادة حياته واستخراج عدد هائل من المآسي والأحزان والمظالم، فجمال يروي لضابط الشرطة (عرفان خان) مع كل سؤال يستعرضه أمامه قصة معرفته للإجابة عنه، كون الضابط يعتبره محتالاً، ولأن من المفترض بمن هم مثل جمال ألا يعرفوا شيئاً، فهو فقير نشأ وترعرع في مدن الصفيح، وأمضى حياته هو وأخوه في اليتم والتشرد والسرقة، وصولاً إلى عمله في «مركز اتصال» يقدم الشاي لموظفيه.

من هنا نمضي مع الفيلم في التعرف إلى حياة جمال وفق الأسئلة، وفي اتباع سيناريو محكم صاغه سيمون بيوفوي عن رواية لفيكاس سوارب، وأخرجه بحنكة دونوي بويل، بحيث نمضي خلف البؤس الهندي، وأحشاء مدن الصفيح، والازدحام الخانق، وكل موبقات الظلم والفقر، وعليه يمسي كل سؤال يواجه به جمال مساحة لاستعادة قصة مليئة بالمآسي، فجوابه عن سؤال «ماذا يحمل الإله راما؟»، يأتي من ذكرى مقتل أمه في صراع طائفي بين المسلمين والهندوس، ومضيه مع أخيه في حياة اليتم، كما أن سؤاله عن فيلم هندي سيكون استعادة لحصوله على توقيع اميتاب بتشان وهو مغمور بالروث، والأغنية التي يعرف مؤلفها تكون قصة كاملة عن رجل ينتشلهم هو وأخوه ولاتيكا من مكب النفايات الذي ينام فيه، يقوم برعايتهم وتعليمهم تلك الأغنية لاستخدامها في التسول، لا بل إن هذا السؤال يعود به إلى قصة نجاته بمساعدة أخيه من فقء عينه ليساعده ذلك على التسول، ومن ثم فقدانه لاتيكا (فريدا بينتو) التي ستكون حبه الضائع والمستعاد، ومساحة الأمل المتروكة لآخر الفيلم.

في ما تقدم خيوط الفيلم الرئيسة، وما تبقى متروك لتعقب كل ما يحمله، وانخطافاته السريعة في الزمن بين الحاضر والماضي والمستقبل، مع صياغة مصير كل شخصية على هدي مكوناتها، فأخو جمال سرعان ما يمسي من رجال العصابات، ولكنه في النهاية يستعيد شيئاً من نبله الذي يفقده، كما أن مقدم برنامج من سيربح المليون سيشكل عائقاً إضافياً في مواجهة من هم مثل جمال، فهو يحاول المستحيل لئلا يفوز، كما أنه هو من يستدعي الشرطة للتحقيق معه. يتحول جمال في نهاية الفيلم إلى مسألة رأي عام، وفي ظل انعدام الأمل، يصبح فوزه أملاً بالنسبة للفقراء الذين يتحلقون حول التلفاز متابعين لـ«بطلهم» جمال، وكيف سيصير مليونيراً، على اعتبار أن هذا البرنامج أيضاً ليس لمن هم مثله.

فيلم «المليونير الفقير» لا يتوقف عن إدهاشنا طيلة زمنه الممتد لساعتين، بحيث تتحول كل قصة أو مشهد على حدة مساحة مغايرة عن التي قبلها، ومستوى آخر من قصة البؤس والمعاناة، ولتتناغم جميعها في قالب واحد على قدر هائل من الحركية العالية، ولنكون في النهاية أمام بانوراما للبؤس، والنجاح في الخروج بقصة ممتعة في النهاية ولا توفر شيئاً كالحب مثلاً الذي يندلع بين جمال ولاتيكا من الطفولة حتى النهاية، ولعل هذه القصة تمنح الفيلم مساحة لكل آلام الحب والانتصار على العوائق، ولنكون في النهاية أمام قصة حب طالعة من أحشاء البؤس.

تأتي نهاية الفيلم من إملاءات الأمل أو شباك التذاكر بمعنى آخر، ولعل الأغنية التي تأتي في النهاية تطمح لأن تجد شيئاً يتقاطع مع بوليوود التي تهبط في أفلامها الأغاني والرقصات كالمطر ومن حيث لا ندري، وإيجاد موطئ قدم على شباك التذاكر الهندي الذي لا يعترف إلا بالميلودراما المنومة، وإشاحة بوليوود بوجهها عن الواقع الهندي.
طباعة