عشرات الأفلام «المظلومة» تعود للحياة بعد ترميمها وإنقاذها من التلف

من خزائن الأرشيف إلى أضواء المهرجانات.. السينما المنسية تولد من جديد

المهرجانات الكبرى تفتح نوافذ على أعمال قديمة. أرشيفية

لم تعد ذاكرة السينما مجرد أرشيف محفوظ في خزائن المؤسسات السينمائية، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى مساحة حية لإعادة الاكتشاف والتقييم، وبينما تتسابق المهرجانات الكبرى على تقديم أحدث الأفلام وأكثرها جرأة، فإنها تفتح في الوقت نفسه نوافذ واسعة على أعمال قديمة غابت طويلاً عن الشاشات، بعضها لم يحظَ عند ظهوره الأول بالاهتمام الكافي، وبعضها تراجع إلى الظل، لأسباب تجارية أو سياسية أو تقنية، قبل أن تمنحه عمليات الترميم فرصة جديدة للعودة إلى الجمهور.

برز هذا الاتجاه بوضوح في دورة 2026 من مهرجان البندقية السينمائي الدولي، التي خصصت لقسم «كلاسيكيات البندقية» برنامجاً يضم 19 فيلماً جرى ترميمها حديثاً، في عروض عالمية أولى لنسخها المستعادة، ولا يقتصر الاختيار على روائع معروفة، بل يشمل أعمالاً نُسيت أو لم تنل التقدير الذي تستحقه عند ظهورها الأول، في محاولة لإعادة إدخالها إلى النقاش السينمائي المعاصر.

ومن أبرز الأمثلة فيلم «أغسطس الإنجليزي» للمخرج الهندي ديف بنغال، الذي أُنجز عام 1994، ويعود إلى الشاشة بعد ترميمه ضمن برنامج البندقية، والفيلم، الذي ينتمي إلى مرحلة مهمة من تطور السينما الهندية المستقلة، يُمثّل نموذجاً واضحاً لكيف يمكن لعملية الترميم أن تمنح عملاً من الماضي فرصة للظهور أمام جمهور عالمي جديد، بعيداً عن الظروف التي أحاطت بعرضه الأصلي.

الفيلم الكلاسيكي

وتتسع القائمة لتشمل أعمالاً لمخرجين كبار، من بينها «العم من بروكلين»، لدانييلي تشيبري وفرانكو ماريسكو، وهو فيلم إيطالي صدر عام 1995 واختفى عملياً من دور السينما بعد طرحه شبه المحدود في إيطاليا، وجرى «إعادته إلى الضوء» من خلال عملية ترميم أعادت تقديمه إلى الجمهور بعد عقود من الغياب، كما تم ترميم وعرض فيلم «الوهم يسافر بالترام» للويس بونويل.

هذه الظاهرة تكشف تحولاً مهماً في مفهوم «الفيلم الكلاسيكي»، فالكلاسيكية لم تعد تعني بالضرورة الفيلم الذي حاز شهرة واسعة أو جوائز كبرى عند إنتاجه، وإنما يمكن أن تشمل أيضاً عملاً تعرض للتجاهل أو سوء التقدير ثم تكشف السنوات اللاحقة عن قيمته الفنية، وهنا تتحول المهرجانات إلى ما يشبه مختبرات لإعادة كتابة تاريخ السينما، ليس من خلال تغيير الماضي، وإنما من خلال توسيع قائمة الأفلام التي تستحق أن تكون جزءاً من ذاكرته.

وفي مهرجان كان السينمائي، أصبح قسم «كلاسيكيات كان» واحداً من أهم المساحات العالمية لهذا النوع من إعادة الاكتشاف. وفي دورة 2026، قدّم القسم 21 فيلماً طويلاً، وثلاثة أفلام قصيرة، وستة أفلام وثائقية، إلى جانب عملين معاصرين، في برنامج يجمع بين أفلام شهيرة و«نوادر ثمينة» تعود إلى الشاشة بعد ترميمها.

أمثلة لافتة

ومن الأمثلة اللافتة في مهرجان «كان» عرض فيلم «زهرة الجليد» للمخرج التايواني يانغ لي-كو، الذي أُنجز عام 1989، وأعيد ترميمه بدقة 2K من أفضل العناصر الأصلية المتبقية، وشملت عملية الترميم معالجة الخدوش والعفن وبهتان الألوان واضطراب الإطارات والضوضاء الصوتية، مع الحفاظ على حبيبات الفيلم الأصلية.

ومن أكثر الأمثلة شهرة في برنامج كان 2026 «متاهة بان» للمخرج غييرمو ديل تورو، الذي عاد إلى المهرجان في نسخة 4K مرممة من النيجاتيف الأصلي مقاس 35 ملم، بعد 20 عاماً من عرضه العالمي الأول.

ومن الفعاليات السينمائية الإيطالية المميّزة في هذا السياق البرنامج السينمائي الدائم الذي يحمل عنوان «كلاسيكيات خارج المعرض»، والذي يعرض أفلاماً مرممة على مدار العام. وخلال العام الجاري قدّم البرنامج 12 فيلماً كلاسيكياً، مع تقديم نقدي من متخصصين ونقاشات مع الجمهور عقب العروض، ومن الأمثلة التي عرضها البرنامج فيلم «الساحر» للمخرج الأميركي ويليام فريدكن، الذي صدر عام 1977 وكان إخفاقاً تجارياً كبيراً في حينه، قبل أن يعاد النظر إليه لاحقاً بوصفه عملاً طموحاً ومميّزاً في سينما المؤلف.

ترميم الأفلام

الترميم هنا يتجاوز كونه إنقاذ أفلام من التلف إلى إعادة بناء للذاكرة السينمائية، فاستعادة الألوان الأصلية، وإصلاح الصوت، وإزالة آثار التلف، واستعادة الإيقاع البصري المقصود من المخرج، كلها خطوات تسمح للجمهور المعاصر بمشاهدة العمل في ظروف أقرب إلى تلك التي أرادها صانعوه.

وأدت التكنولوجيا الرقمية دوراً محوريا في إنقاذ الماضي بدلاً من دفنه، فقد أتاحت أدوات المسح الرقمي والترميم معالجة عناصر فيلمية قديمة بدرجات عالية من الدقة، وإعادة بناء الأجزاء المتضررة، ثم إنتاج نسخ رقمية عالية الجودة يمكن عرضها في دور السينما أو حفظها للأجيال المقبلة.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذا الاهتمام عن التحول الذي طرأ على علاقة الجمهور بالسينما، ففي عصر تتوافر آلاف الأفلام على الإنترنت، أصبحت مشاهدة فيلم نادر في نسخة مرممة وعلى شاشة كبيرة تجربة ثقافية مختلفة. الجمهور لا يبحث فقط عن «محتوى» يمكن تشغيله، وإنما عن فيلم له تاريخ وسياق وقصة وراء استعادته.

ليست عودة إلى الوراء

المفارقة الأجمل أن السينما الحديثة، وسط ثورة المنصات والذكاء الاصطناعي وتقنيات التصوير الجديدة، تعود باستمرار إلى ما كان يبدو قديماً ومنتهياً، فكلما تقدمت التكنولوجيا ازدادت الحاجة إلى الأرشيف، وكلما أصبح إنتاج الأفلام أسرع أصبحت عملية حفظها واستعادتها أكثر أهمية، لذلك فإن عودة الأفلام المنسية ليست عودة إلى الوراء بل إعادة نظر إلى الأمام، فالفيلم الذي يُنقذ اليوم من النسيان قد يصبح مصدر إلهام لمخرج الغد، أو مادة لبحث أكاديمي، أو اكتشافاً لجمهور شاب، أو دليلاً على أن تاريخ السينما لم يُكتب بالكامل بعد.

 

تويتر