أعرق مهرجانات السينما الأوروبية يضع المغامرة الفنية في صدارة المشهد

«لوكارنو 79».. السينما تخرج من القاعات إلى ساحات المدينة

صورة

منذ أن فتحت مدينة لوكارنو السويسرية أبوابها، في الخامس من أغسطس الجاري، أمام الدورة الـ79 من مهرجان لوكارنو السينمائي، بدا واضحاً أن المهرجان متمسك بهويته الخاصة، فهو لا يسعى إلى منافسة مهرجانات كان والبندقية وبرلين على مستوى النجوم وحدهم، بقدر ما يواصل تقديم نفسه مساحة لاختبار الأفكار السينمائية الجديدة، واكتشاف الأصوات الشابة، وإعادة تعريف العلاقة بين الفيلم والجمهور.

وتتواصل الدورة حتى 15 أغسطس، بمشاركة 233 فيلماً من 69 دولة، بينها 103 عروض عالمية أولى، موزعة على 11 قسماً، في برنامج يعكس اتساع المهرجان وقدرته على الجمع بين سينما المؤلف، والأفلام الجماهيرية، والتجارب البصرية الجريئة، والأعمال الوثائقية، والأفلام القصيرة، إلى جانب الاستعادات التاريخية والبرامج المخصصة للمواهب الجديدة.

افتتاح يحمل هوية «المهرجان»

اختار لوكارنو الذي انطلقت دورته الأولى عام 1946، لفيلم الافتتاح فيلم «The Green Eyes -العيون الخضراء» للمخرجين الفرنسيين فاني لياتار وجيريمي ترويه، في عرض عالمي أول في ساحة «بيازا غراندي»، التي تحولت على مدى عقود إلى واحدة من أشهر العلامات المميزة للمهرجان.

الفيلم الذي يتناول قصة عائلة من المهاجرين تعيش تحت وطأة الخوف من الترحيل إلى بلد مزقته الحرب، قدم منذ البداية نموذجاً واضحاً للسينما التي يريد لوكارنو إبرازها: قصة إنسانية واجتماعية معاصرة، لكنها لا تتخلى عن البحث الجمالي واللغة السينمائية الخاصة.

ويصعب الحديث عن خصوصية لوكارنو من دون التوقف عند بيازا غراندي، الساحة الكبرى في قلب المدينة التي تتحول كل مساء إلى واحدة من كبريات دور السينما المفتوحة في العالم، بطاقة تصل إلى نحو 8 آلاف متفرج.

هنا تتغير علاقة الجمهور بالفيلم، فالمشاهدة لا تتم داخل قاعة مغلقة، بل تحت سماء الليل، وسط مدينة سياحية تطل على بحيرة ماجوري، وبين جمهور واسع يجمع المتخصصين والنقاد والسكان والزوار والسياح. ولهذا أصبحت بيازا غراندي جزءاً من شخصية المهرجان وليس مجرد موقع للعروض.

بعيداً عن «السجادة الحمراء»

يحضر النجوم في لوكارنو بقوة، لكن حضورهم لا يخضع بالضرورة لمنطق المهرجانات التي تجعل النجم محور الحدث. وهذا العام يكرّم المهرجان أسماء بارزة مثل إيزابيلا روسيليني، وفيرجيني إفيرا، ودارين أرونوفسكي، إضافة إلى أسماء سينمائية أخرى، في حين تشارك مونيكا بيلوتشي في المسابقة الدولية من خلال فيلم «Ketticè».

وفي قلب المهرجان تقف المسابقة الدولية، التي يتنافس فيها 17 فيلماً على جائزة النمر الذهبي، وهي الجائزة الأرفع في لوكارنو.

الحدود والحرب

لا تبدو الموضوعات الاجتماعية والسياسية في برنامج لوكارنو مجرد خلفية، بل تتكرر بأشكال مختلفة في عدد من الأعمال. وإحدى أهم خصائص لوكارنو أنه لا يبني برنامجه على الفصل الحاد بين السينما التجارية والسينما الفنية.

ففي الساحة الكبرى يمكن للجمهور مشاهدة أفلام ذات نجوم عالميين وأسماء معروفة، في حين تقدم أقسام أخرى مساحة أكثر حرية للأعمال التي تمزج الأنواع والأساليب، وتختبر الحدود التقليدية للسرد السينمائي.


القائمة السوداء

تستعيد هذه التظاهرة مرحلة القائمة السوداء في هوليوود خلال الحرب الباردة، عندما تعرّض كتّاب ومخرجون وممثلون للاضطهاد بسبب اتهامات بالانتماء أو التعاطف مع الشيوعية.

وتضم الاستعادة نحو 50 فيلماً، بين روائي ووثائقي وقصير ومواد أرشيفية، وتعيد قراءة أعمال وأسماء مرتبطة بتلك المرحلة، من بينها دالتون ترامبو، وجوزيف لوزي، وريتشارد رايت، وجون غارفيلد، وتشارلي تشابلن وغيرهم.


مدينة تعيش السينما

بعيداً عن أسماء الأفلام، ربما تكون الأجواء نفسها أهم ما يميز المهرجان، فالمدينة الصغيرة المطلة على بحيرة ماجوري تتحول خلال أيام المهرجان إلى فضاء سينمائي مفتوح، والشوارع والساحات والفنادق والمقاهي تستقبل الفنانين والنقاد والجمهور، في حين تصبح السجادة الحمراء والعروض الليلية واللقاءات جزءاً من الحياة اليومية. وتختلف هذه التجربة عن المدن السينمائية الكبرى التي تبتلع فيها الفعاليات المدينة أحياناً، وفي لوكارنو تبدو السينما أقرب إلى الحياة اليومية، ويصبح الجمهور جزءاً من المشهد لا مجرد متلقٍ له.

تويتر