إعادة النظر في واحدة من أكثر الشخصيات حضوراً بالثقافة الشعبية الغربية

«موت روبن هود».. عندما تقتل السينما الأسطورة والبطل المثالي

روبن هود يظهر محارباً هارباً من ماضيه في أرض موحشة وباردة. من المصدر

لا يبدأ فيلم «The Death of Robin Hood - موت روبن هود» حكايته كما اعتاد الجمهور أن يسمعها، فلا وجود لغابة مملوءة بالمغامرات، ولا يوجد قوس وسهام في مواجهة الظلم، ولا مجموعة من الرفاق المرحين الذين يسرقون من الأغنياء لمساعدة الفقراء، بدلاً من ذلك، يضع المخرج، مايكل سارنوفسكي، المُشاهد منذ اللحظات الأولى أمام رجل محطم، عجوز في روحه قبل ملامحه، يحمل على كتفيه ثقل أسطورة صنعتها الأجيال أكثر مما صنعها هو بنفسه، في أرض موحشة وباردة، يظهر روبن هود، الذي يُجسّده هيو جاكمان، محارباً هارباً من ماضيه، يعيش في عزلة وسط الطبيعة القاسية، لا يقدم الفيلم بطلاً أسطورياً، بل يقدم رجلاً فقد المعنى الذي منحته له الحكايات، وأصبح أسيراً لتاريخ من الدماء لا يستطيع تغييره.

تفكيك صورة البطل الشعبي

يُمثّل الفيلم محاولة لإعادة النظر في واحدة من أكثر الشخصيات حضوراً في الثقافة الشعبية الغربية، فمنذ ظهورها في القصص الإنجليزية القديمة، تحوّلت شخصية روبن هود عبر القرون من شخصية شبه مجهولة إلى رمز للعدالة والتمرد ومقاومة السلطة.

لكن سارنوفسكي يعود إلى مرحلة أكثر قتامة من تاريخ الشخصية، مستلهماً الروايات الأولى التي سبقت إضافة العناصر الرومانسية، مثل شخصية ماريان وصورة الفارس النبيل. ففي بداياتها، كانت حكايات روبن هود أكثر خشونة وأقرب إلى واقع العصور الوسطى، قبل أن تعيد السينما والأدب تشكيله كبطل مثالي.

ومن هنا تأتي فكرة الفيلم الأساسية: ماذا يحدث عندما يلتقي الإنسان الحقيقي بالأسطورة التي صُنعت عنه؟ وهل يستطيع شخص عاش حياة مملوءة بالعنف أن يتحرر من الصورة التي رسمها الآخرون له؟

بلا مجد ولا أقنعة

يقدم جاكمان نسخة مختلفة تماماً عن الشخصيات التي سبق أن ارتبط بها الجمهور، إذ يظهر بوجه متعب، ولحية كثيفة، وجسد يحمل آثار المعارك، بعيداً عن صورة الفارس الرشيق الذي عرفته السينما في أعمال سابقة.

روبن في هذا الفيلم لا يحتفل بماضيه، بل يخشاه، فهو لا يستخدم اسمه باعتباره رمزاً للبطولة، بل يرى أن القصص التي انتشرت عنه ليست سوى سلسلة من الأكاذيب التي تراكمت عبر الزمن.

هذه المعالجة تمنح الشخصية بُعداً نفسياً عميقاً، إذ يصبح الصراع الحقيقي ليس بين روبن وأعدائه، بل بين الرجل الذي كان يُمثّله سابقاً، والرجل الذي يريد أن يصبح في الحقيقة.

واقعية قاسية

ينتمي الفيلم إلى موجة سينمائية أعادت قراءة الأساطير القديمة من منظور أكثر واقعية وقسوة، على غرار فيلم «الرجل الشمالي» للمخرج، روبرت إيغرز، وفيلم «الفارس الأخضر» للمخرج، ديفيد لوري.

لكن اختيار سارنوفسكي الابتعاد الكامل عن روح المغامرة التقليدية، يجعل الفيلم تجربة مختلفة تماماً، فالعنف هنا ليس مجرد عنصر درامي، بل وسيلة لإظهار عالم خالٍ من الرومانسية، عالم تصبح فيه البطولة عبئاً أكثر من كونها مجداً.

وتعكس المشاهد القتالية هذه الرؤية، فالمعارك ليست استعراضاً للقوة، بل مواجهات فوضوية وقاسية، تترك وراءها آثاراً نفسية وجسدية على الشخصيات.

جمال الطبيعة وقسوة الإنسان

يلعب التصوير دوراً محورياً في بناء عالم الفيلم، فقد منح العمل هوية بصرية تعتمد على المناظر الطبيعية القاسية في شمال أيرلندا، حيث تتحول المستنقعات والسهول المفتوحة إلى انعكاس لحالة روبن الداخلية.

الألوان الباردة والمساحات الواسعة تُعزّز إحساس العزلة، بينما تبدو الطبيعة نفسها كأنها شخصية إضافية في الفيلم، شاهدة على انهيار رجل لم يعد يعرف مكانه في العالم.

وعلى الرغم من قتامة الفيلم، فإن سارنوفسكي لا يقدم روبن هود كشخصية فقدت إنسانيتها بالكامل، فحين يجد ملاذاً داخل دير، وتعتني بجراحه الراهبة بريجيد التي تؤدي دورها جودي كومر، يبدأ البطل في مواجهة احتمال جديد: أن تكون حياته القادمة مختلفة عن الماضي.

كما يضيف وجود مارغريت، ابنة ليتل جون، بُعداً جديداً للقصة، إذ يبدأ روبن في التفكير في المستقبل بدلاً من البقاء أسيراً للجرائم التي ارتكبها. ويقدم بيل سكارسغارد شخصية ليتل جون بطريقة بعيدة عن الصورة المعروفة للصديق الوفي، حيث يصبح رفيقاً معقداً يحمل بدوره تناقضات عالم عنيف لا يعرف الرحمة.

بين الجرأة والافتعال

تكمن قوة الفيلم في جرأته على مواجهة الأسطورة بدلاً من تكرارها، فهو لا يحاول إرضاء الجمهور الباحث عن نسخة جديدة من روبن هود التقليدي، بل يقدم سؤالاً فلسفياً حول الطريقة التي نصنع بها الأبطال ونحول البشر إلى رموز. لكن هذه الرؤية نفسها تصبح نقطة ضعف الفيلم أحياناً، فالإصرار على التشاؤم، والابتعاد عن أي لحظة خفيفة يجعل التجربة ثقيلة، وقد يشعر بعض المشاهدين بأن العمل يهدم الأسطورة من دون أن يمنح بديلاً يمتلك الطاقة نفسها. فبينما نجح سارنوفسكي في كشف الجانب المظلم من الحكاية، فإنه يواجه تحدياً صعباً: كيف يمكن تفكيك أسطورة عمرها قرون من دون فقدان السحر الذي جعلها تعيش كل هذا الوقت؟


موت الصورة

«موت روبن هود» ليس فيلماً عن موت رجل فقط، بل عن موت الصورة التي صنعتها الحكايات عنه، إنها محاولة لإعادة روبن هود إلى جذوره الأولى، قبل أن يصبح رمزاً للعدالة والمغامرة، وتقديمه كإنسان مثقل بالأخطاء والذكريات.

قد لا يكون الفيلم النسخة التي ينتظرها عشاق روبن هود، لكنه يقدم قراءة سينمائية جريئة حول العلاقة بين الحقيقة والأسطورة، وبين الإنسان والقصة التي يرويها العالم عنه.

تويتر