مشروع سينمائي يتحول إلى أزمة.. و«نتفليكس» توقف التصوير «لأسباب إنتاجية»

«هانيبال» يضع دينزل واشنطن في مأزقبطل قرطاج يُغضب التونسيين.. ويثير جدلاً عالمياً

أثار اختيار «نتفليكس» دينزل واشنطن لتجسيد هانيبال موجة واسعة من الجدل. من المصدر

قبل أن تُدار الكاميرات، وقبل أن يعبر جيش قرطاجة جبال الألب على الشاشة، وجد فيلم «هانيبال»، الذي تطوره منصة «نتفليكس»، نفسه في قلب معركة من نوع آخر، معركة تدور حول التاريخ والهوية والتمثيل الثقافي والسياسة والمال، لتتحول واحدة من أكثر الشخصيات العسكرية شهرة في التاريخ القديم إلى محور نقاش عالمي يتجاوز حدود السينما.

فالمشروع الذي يجمع النجم الأميركي دينزل واشنطن، بالمخرج أنطوان فوكوا، لا يُنظر إليه بوصفه مجرد فيلم تاريخي جديد، بل باعتباره اختباراً حساساً لكيفية تعامل هوليوود مع الشخصيات التاريخية الكبرى في عصر أصبحت فيه أسئلة الهوية والتمثيل أكثر حضوراً من أي وقت مضى. وقد ازداد الجدل أخيراً بعدما أفادت تقارير بتوقف مرحلة ما قبل الإنتاج مؤقتاً، بسبب مخاوف مرتبطة بالميزانية، ما أضاف بُعداً جديداً إلى قصة كانت مثقلة أصلاً بالنقاشات منذ الإعلان عنها.

مَن هانيبال؟

يُعدّ هانيبال برقا أحد أعظم القادة العسكريين في التاريخ القديم، اشتهر بقيادته جيشاً قرطاجياً عبر جبال الألب مصطحباً الفيلة الحربية لمواجهة الجمهورية الرومانية، في حملة عسكرية لاتزال تُدرّس حتى اليوم بوصفها واحدة من أكثر العمليات العسكرية جرأة في التاريخ، وتقوم فكرة الفيلم على استعراض حياة هانيبال، وحملاته العسكرية، وصراعه مع روما.

لكن أهمية الشخصية تتجاوز الجانب العسكري، فهانيبال ليس بطلاً تاريخياً عادياً، بل يُعدّ رمزاً وطنياً وثقافياً بالنسبة إلى كثير من التونسيين، باعتباره أبرز شخصية خرجت من مدينة قرطاجة القديمة الواقعة في تونس الحالية، ولهذا السبب تحوّلت أي محاولة لإعادة تقديمه سينمائياً إلى قضية تتصل بالهوية الوطنية، والذاكرة التاريخية.

الشرارة الأولى

منذ اللحظة التي أعلنت فيها «نتفليكس» اختيار دينزل واشنطن لتجسيد هانيبال، بدأت موجة واسعة من النقاشات، ففي حين رأى كثيرون أن واشنطن أحد أعظم ممثلي جيله، وأن حضوره يمنح المشروع ثقلاً فنياً استثنائياً، اعتبر منتقدون أن الاختيار يثير أسئلة معقدة حول الخلفية العرقية والتاريخية للشخصية.

في تونس تحديداً، أثار القرار ردود فعل سياسية وإعلامية واسعة، واعتبر بعض المنتقدين أن تقديم هانيبال بصورة تختلف عن تصوراتهم التاريخية يُمثّل تشويهاً للتراث القرطاجي، بينما رأى آخرون أن الجدل نفسه يكشف صعوبة إسقاط المفاهيم العرقية الحديثة على شخصيات عاشت قبل أكثر من 2000 عام.

معركة الهوية

هنا تكمن أكثر زوايا القضية تعقيداً، فالمؤرخون يتفقون على أن هانيبال كان قرطاجياً، لكنهم يختلفون حول كيفية توصيف هويته وفق التصنيفات المعاصرة، فقرطاجة كانت حضارة متوسطية متعددة الأعراق والثقافات، جمعت تأثيرات فينيقية وإفريقية ومتوسطية مختلفة، لذا يرى عدد من الباحثين أن محاولة وضع هانيبال ضمن التصنيفات العرقية الحديثة قد تكون تبسيطاً مفرطاً لشخصية تاريخية تنتمي إلى عالم مختلف تماماً.

غير أن هذا الطرح الأكاديمي لم يمنع تحول القضية إلى ساحة سجال ثقافي بين أطراف مختلفة، إذ رأى بعض المعلقين أن اختيار واشنطن يمنح مساحة أوسع لحضور الشخصيات الإفريقية في السينما التاريخية، بينما اعتبر آخرون أن ذلك يأتي على حساب الدقة التاريخية.

العُمر مشكلة

لم يتوقف الجدل عند الهوية، فواشنطن يبلغ اليوم أكثر من 70 عاماً، بينما ارتبطت أشهر إنجازات هانيبال العسكرية بمرحلة شبابه المبكر، لذا ظهرت تساؤلات حول كيفية معالجة الفيلم لهذا الفارق العمري الكبير، وما إذا كان العمل سيركز على مراحل متأخرة من حياة القائد القرطاجي أو سيعتمد على حلول بصرية وتقنيات رقمية لتقريب الصورة التاريخية.

زمن الحسابات الصعبة

إذا كانت الهوية تشغل النقاد، فإن الميزانية تشغل «نتفليكس»، فالفيلم مصمم منذ البداية باعتباره ملحمة تاريخية ضخمة تتطلب إعادة بناء عالم قديم كامل، وتصوير معارك واسعة النطاق، وإنتاج مشاهد لعبور جبال الألب، فضلاً عن التعامل مع العنصر الأكثر شهرة في قصة هانيبال: الفيلة الحربية، ولهذا السبب يتوقع أن يكون من بين أضخم المشروعات التاريخية التي حاولت نتفليكس إنتاجها. وعلى الرغم من الجدل، فإن «نتفليكس» تمتلك أسباباً قوية للتمسك بالفيلم، فالمشروع يجمع بين اسمين من أكثر الأسماء موثوقية في هوليوود: دينزل واشنطن وأنطوان فوكوا، كما يستند إلى شخصية تاريخية عالمية لم تحصل حتى الآن على معالجة سينمائية ملحمية بحجم تأثيرها التاريخي، إضافة إلى ذلك، فإن قصص الإمبراطوريات والحروب القديمة أثبتت قدرتها على جذب جمهور عالمي واسع عندما تُقدم بإنتاج ضخم، وسرد معاصر.


أكثر من فيلم

في جوهر الأمر، لم يعد «هانيبال» مجرد مشروع سينمائي عن قائد عسكري قديم، فقد تحوّل إلى مرآة تعكس أسئلة معاصرة حول من يمتلك حق رواية التاريخ، وكيف يمكن للسينما أن توازن بين الدقة التاريخية والحرية الإبداعية، وبين متطلبات السوق وحساسيات الهوية، ولهذا السبب، يبدو أن المعركة الحقيقية للفيلم بدأت بالفعل، حتى قبل أن يبدأ التصوير، فبين الجدل التاريخي، والنقاشات الثقافية، والرهانات المالية الضخمة، يقف مشروع «هانيبال» اليوم بوصفه واحداً من أكثر الأفلام المنتظرة وإثارة للجدل في هوليوود، وربما أحد أكثر المشروعات التي تكشف كيف أصبحت صناعة السينما نفسها ساحة لصراعات تتجاوز الشاشة الكبيرة.

تويتر