يكسر الإيقاع بالمَشاهد الاسترجاعية

«أوكسجين».. ميلاني لورانت تكافح الاختناق بأداء رائع

صورة

من الأسئلة المتكررة في نقاش أي فيلم: هل أفسدت النهاية فيلماً جيداً؟ في حالة هذا الفيلم «أوكسجين»، وهو دراما صراع بقاء فرنسي من إنتاجات «نتفليكس» الأصلية، فإن الإجابة هي لا، رغم أن النهاية لا علاقة لها عضوياً بالفيلم وغير مقنعة، وربما أفسدت جزءاً من التجربة، لكن الـ90 دقيقة التي سبقتها كانت مليئة بما يكفي لشد أعصاب المشاهد.

أحداث الفيلم كلها في كبسولة ضيقة، نرى امرأة مغلفة بطبقة وراقدة، اسمها إليزابيث هانسن (ميلاني لورانت التي لم تعد نجمة فرنسية فحسب، بل غدت عالمية بعد أن اقتحمت هوليوود من أوسع أبوابها آخر العقد قبل الماضي، ومثلت وأخرجت أفلاماً بلغتها وباللغة الإنجليزية).

تستيقظ إليزابيث من سباتها بسبب خلل فني في الكبسولة (هل يحضر فيلم Passengers إلى الذاكرة؟)، ذاكرتها مشوشة، لا تعلم من هي وأين، رفقتها الوحيدة صوت كمبيوتر اسمه مايلو (ماتيو أمالريك)، هل يحضر فيلم 2001 «سبيس أوديسي» إلى الذاكرة؟ نعم يحضر، ومستحيل أن المخرج أليكساندر آيا أخرج الفيلم من دون أن يكون صوت دوغلاس رين الخالد في دور الكمبيوتر «هال 9000» في باله.

يراقب مايلو أعضاء إليزابيث، ويحرص على بقائها حية، كما يراقب الحالة العامة للكبسولة. إليزابيث محبوسة وخياراتها محدودة للاتصال بالعالم الخارجي، وتعيش حالاً أشبه بقنبلة موقوتة بين يديها: إمدادات الأوكسجين في الكبسولة محدودة وتتضاءل، وإذا وصلت إلى الصفر فإنها ستختنق وتموت.

إليزابيث في سباق ضد الزمن لكشف هويتها ولفهم أين هي، ولتجد طريقة للبقاء حية. من الواضح التقدم الكبير في مستوى المخرج الفرنسي آيا، منذ الفيلم الذي أطلق مسيرته المهنية High Tension عام 2003، إلى فيلمه قبل الأخير Crawl الذي يدور حول فتاة تحاول الخروج من فيضان.

«الكلوسترفوبيا»

هذا الفيلم حتماً ليس لأولئك الذين يعانون من «الكلوسترفوبيا» أو الخوف من الأماكن الضيقة والمزدحمة، لأنه سيكون تجربة مزعجة، المساحة ضيقة جداً حتى على المخرج نفسه، ويتضح ذلك من الأماكن التي يضع فيها المخرج الكاميرا، خصوصاً اللقطات التي تظهر وجه البطلة فقط.

يكسر آيا إيقاع لقطات الفيلم، وحسناً يفعل، بالخروج من الكبسولة عن طريق المشاهد الاسترجاعية المؤلفة من ذاكرة إليزابيث المشوشة، التي ترى فيها حياتها قبل مأزق الكبسولة.

ليس هذا أول فيلم يضع الشخصية الرئيسة في مكان ضيق جداً، فهناك فيلم Buried (مدفون) عام 2010، الذي كان فيه رايان رينولدز مدفوناً في تابوت خشبي، وهناك فيلم بعنوان هذا الفيلم نفسه بالضبط إصدار عام 1999، عن مجرم يختطف امرأة ويدفنها حية، وعلى المحققة التي تولت القضية تحرير الضحية خلال 24 ساعة أو قبل نفاد الأوكسجين.

الحفاظ على التوتر

يحافظ آيا على التوتر في أعلى مستوى، بينما يكشف التفاصيل تدريجياً في المَشاهد الاسترجاعية بشكل فني جميل، ولو كان مزعجاً بعض الشيء بسبب سرعتها وعدم وضوح تفاصيل اللقطات نتيجة سرعة العرض، لكننا نتفهم هذا الأسلوب الذي يشير إلى تشوش الذاكرة. لا نستطيع إعطاء تلميح عن النهاية لأنها مرتبطة بمفاجأة في منتصف الفيلم، لكن بإمكاننا القول إنها تصلح لفيلم آخر، خصوصاً أن مستوى الأوكسجين يصل إلى الصفر في آخر الفيلم، لم نفسد شيئاً لأن إليزابيث لا تموت.

لورانت ممثلة ممتازة، تعطي كل التعابير الوجهية المطلوبة في الدور، وهذا فيلم تعابير وجهية في المقام الأول، كما تعطي كل ردات الأفعال المتوقعة من شخص عالق/‏محاصر في مكان ضيق: حيرة، ذعر، وإرادة حديدية لفعل ما هو ضروري للبقاء على قيد الحياة. لم تنتقل لورانت بشكل كامل إلى هوليوود، فهي ظهرت في أفلام أميركية وفرنسية، وأخرجت أعمالاً أميركية وفرنسية كذلك، وهذا ثالث تعاون لها مع «نتفليكس».

يستمد الفيلم قوته من النص المفعم بالطاقة، أو على الأقل لثلاثة أرباعه، لو حذفنا النهاية المبتذلة التي تصلح لفيلم رومانسي. يكشف النص المفاجآت الواحدة تلو الأخرى، بينما البطلة تعيش معاناة رهيبة، وهنا نلمس براعة آيا في الإخراج، فهو يكشف مفاجأة تقع أساساً في خط زمني خلفي للفيلم، يتوازى مع الخط الرئيس الذي تشغله لورانت بالكامل، بأداء مبهر لم تقدمه في أي فيلم سابق، ولولا النهاية الضعيفة لربما كان هذا من أفضل أفلام الخيال العلمي التشويقية في زمن الوباء. كثرت أفلام الخيال العلمي على «نتفليكس»، ويمكننا القول بسهولة إن هذا أفضلها، ما يشير إلى أن المنصة تتحسن تدريجياً في خياراتها، هذا فيلم ضيق المساحة في مكان أحداثه، وكذلك بالنسبة لمن يكتب عنه، إذ من الصعب التوقف عند أي نقطة لتحليلها خشية إفساد مفاجأة.

لو كان رواية

لو كان هذا الفيلم رواية لحتماً سيكون أفضل، لأن وقعه على نفس المشاهد سيكون أقوى، والسبب أن الرواية ليست فناً بصرياً، وبالتالي يستطيع الكاتب أن يجعل القارئ يخمن حتى آخر صفحة.

هنا المعادلة مقلوبة قليلاً، وليس هناك مجال لتخمين أي شيء، لأن الصورة تكشف التفاصيل، وتبقى مهمة المخرج في استخراج أداء بطلته وإبراز رؤيته الفنية، ما يجعل الفيلم يرسخ في الذاكرة، طبعاً من دون تلك النهاية الضعيفة.

• عمل لا يصلح للذين يعانون الخوف من الأماكن الضيقة والمزدحمة، لأنه سيكون تجربة مزعجة.

• لولا النهاية الضعيفة، لربما كان من أفضل أفلام الخيال العلمي التشويقية في زمن الوباء.

للإطلاع على الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

طباعة