الغموض والبشاعة يتسيدان الفيلم

«روز بلايز جولي» يزخر بأداء ثلاثي رائع ومشاهد بليغة

صورة

هناك شيء غريب ومخيف وغامض في فيلم Rose Plays Julie، «روز تتقمص جولي». هذا ليس فيلم انفصام شخصية كما يوحي عنوانه، بل عن فتاة تبحث عن أصلها وهويتها. فتاة جاءت إلى العالم نتيجة فعل بشع وخلقت لتواجهه.

الغموض ليس قراراً فنياً فحسب لصنع الجو العام للفيلم، بل يتداخل تداخلاً دقيقاً مع الحالات النفسية لشخصيات الفيلم الثلاث، الذين يتحركون في عالمهم مثل من يمشي أثناء نومه.

كل شخصية تعيش أكثر من حياة، كل واحدة تخفي سراً، وكل واحدة تطبق نظاماً صارماً يمنع اختلاط الحياة البريئة مع تلك البشعة، والبشاعة سيدة هذا الفيلم. روز (آن سكيلي) التي تقرر مواجهة البشاعة رغم كل ما يحمله ذلك من ألم، تصرّ على إخراجها حتى لو كانت مختبئة، هي مثل لعنة تريد إبطالها.

هذه القصة التي كتبها وأخرجها كريستين مولوي، وجو لولور، تلامس الرغبات الأساسية للحب والانتقام والفضول، وهذه الرغبات تعطي الفيلم سمة الأساطير الشعبية. كأنها قصة من زمن سحيق مليئة برموز وإيحاءات عن مدى بشاعة سلوك البشر. «روز تتقمص جولي» مقيد جداً في أسلوبه، وهذا التقييد يجعله فيلماً مؤثراً جداً.

روز طالبة طب بيطري في جامعة بالعاصمة الأيرلندية دبلن، وهي تعيش أزمة هوية. فعندما تم تبنيها وهي طفلة أعطيت اسم روز، لكن اسم جولي يظهر على شهادة ميلادها. هذا كان بمثابة همسة لها بأن شيئاً ما حصل وهي طفلة وعليها اكتشافه، أو كأن هناك من حاول التخلص منها بعد أن أعطاها اسماً وهي أمها البيولوجية التي لم ترها قط. تقول روز وهي تروي الفيلم: «أحب اسم جولي، عندما أفكر بجولي أتخيلها مثلي تماماً». تشعر روز أن عليها اكتشاف قصة جولي، لتكتشف الحياة التي كان يفترض أن تعيشها قبل التبني.

تتتبع روز والدتها الأصلية لتجد نفسها تلاحق ممثلة تعيش في لندن اسمها إلين (أورلا برادي). تشعر روز برغبة جامحة في التواصل مع إلين، فتتقمص شخصية فتاة تريد شراء منزل إلين. هناك تقابل إيفا ابنة إلين المراهقة.

لا تعلم إيفا أن الفتاة الرقيقة المتوترة الواقفة أمامها تسألها أسئلة كثيرة هي أختها غير الشقيقة. بعد ذلك تلاحق روز إلين حتى تصل إلى موقع استوديو التصوير، وتبدأ بمراقبتها من خلف بناية. هذا المشهد بليغ جداً ويشير بشكل واضح إلى أن رغبة روز ليست مجرد التواصل مع والدتها بل أبعد من ذلك.

عندما تتقابل المرأتان وجهاً لوجه للمرة الأولى، يظهر التوتر على الأم وتخبر ابنتها بظروف الحمل ولماذا اضطرت إلى تسليمها للتبني. القصة مخيفة وتأخذ روز إلى والدها، الرجل الذي تسبب في البشاعة التي عاشتها الأم.

والدها عالم آثار اسمه بيتر دويل (أيدن غيلين)، لكنه بخلاف الأم لم يكن صعباً العثور عليه، ولم يتطلب بحثاً وهذا رمز آخر في القصة. يشرف بيتر على موظفين يحفرون في موقع أثري في ريف المدينة.

ترتدي روز باروكة (وهذا رمز آخر في القصة) وتذهب لمقابلته وتطلب منه التطوّع في مهمته وتخبره أن اسمها جولي. كما يقول عنوان الفيلم «روز تتقمص جولي»، فإن الفيلم بأكمله عن التخفي. سواء التخفي المتعمد الاحتيالي، أو التخفي الاختياري الاضطراري. وكلاهما يحقق غرضاً، الأول ضرر والثاني مصلحة.

التخفي أو انتحال الشخصية يعني إخفاء هوية وإبراز أخرى، واحدة عندما نكون لوحدنا والأخرى أمام الآخرين. عندما ترتدي روز الباروكة وتتقمص جولي فهي تعبّر عن نفسها الحقيقية للمرة الأولى. بالنسبة لوالدتها التخفي هو سر مهنتها فهي ممثلة تتقمص شخصيات عدة.

لكن تخفي والدها بيتر هو الأكثر ضرراً، لأنه يتخفى في أكثر الأماكن وضوحاً، ولا يستطيع أحد أن يتخيل الشر الكامن في نفس هذه الشخصية. هناك مشهد تتحدث فيه روز مع والدتها في غابة، وهو أكثر مكان منعزل عن الحضارة وهذا رمز للتخفي.

مشهد حوارهما في السيارة ورفض الأم ذكر اسم والد ابنتها شفهياً والاكتفاء بكتابته لها على شاشة الهاتف، هو رمز آخر للتخفي، وبشاعة الفعل الذي ارتكبه. مشهد مواجهة روز/‏جولي والدها في منزله وإخبارها له أنه والدها صور مرتين، الأولى بصوت غير واضح والثانية بوضوح، وهذا مشهد آخر بليغ يغوص بالمشاهد داخل شخصية بيتر الذي يعيش في هذه اللقطة تحديداً بالضبط على الخط الفاصل بين شخصية عالم الآثار، وذلك الذئب البشري الذي لم يتردد في محاولة الاعتداء على فلذة كبده قبل أن تخبره الحقيقة. والاعتداء هنا جنسي ولفظي وجسدي. هناك مشهد آخر بليغ لأنه مخادع، عندما يسقط غزال في حفرة الموقع الأثري الذي يشرف عليه بيتر. نرى ألم الغزال في عين بيتر الذي يسارع بضربه وقتله بغرض تخليصه من معاناته. ثم احتضانه والبكاء. هذا طور آخر من شخصية بيتر مرتبط بطور لشخصية ابنته الطالبة البيطرية التي تدمع عيناها عندما ترى حيواناً يتألم.

أداء برادي وسكيلي وغيلين لا يعلى عليه، يقدم الثلاثي أداءً متحفظاً على درجة الإيقاع نفسها بالضبط دون طغيان أحد على الآخر. هذا فيلم مؤلم جداً وجميل ويستحق المشاهدة.

• يقدم برادي وسكيلي وغيلين أداءً على نفس درجة الإيقاع بالضبط، دون طغيان أحد على الآخر.

• هذا ليس فيلم انفصام شخصية كما يوحي عنوانه، بل عن فتاة تبحث عن أصلها وهويتها.

للإطلاع على الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

طباعة