ينافس في خانة أفضل فيلم أجنبي

    «هاني لاند» يطرح أفضل مثال على تدمير الإنسان للبيئة

    صورة

    ينافس الفيلم المقدوني Honeyland «أرض العسل» في خانة أفضل فيلم أجنبي، وكذلك أفضل فيلم وثائقي في حفل الأوسكار في العاشر من الشهر الجاري، وهو لم يتأهل لجوائز الأكاديمية البريطانية للعلوم السينمائية (بافتا)، في تباين واضح بين نظامي الجائزتين.

    نرى امرأة تمشي وحدها في الجبال الوعرة لمقدونيا وتلالها. لقطة صامتة طويلة لامرأة من الواضح أنها تحفظ طريقها في الجبال عن ظهر قلب، خصوصاً عندما تمشي على حافة الجبل، وخلفها المصور، في لقطة ستسبب رعباً ودواراً لمتابعها، حتى وهو يشاهدها في شاشة.

    لا توجد علامات في الطريق، تمشي المرأة وكأنها مبرمجة، أو كأنها تفعل ذلك بالفطرة، وكأن أحداً لا يعرف الطريق غيرها. تتسلق هاتدز لأعلى وأعلى حتى تتوقف عند مجموعة غير محددة من الصخور. تسحب قطعة صخرية كأنها غطاء، ليظهر تجويف صخري، يخيل للمشاهد أنه يخبئ ذهباً، لكن ذهب هاتدز هو خلية نحل.

    تستخدم هاتدز جهازاً يدوياً يصدر دخاناً، يبدو أن الغاية منه تهدئة النحل أو عدم إخافتهم. تستخرج المرأة ألواحاً من خلية النحل، وتضعها في سلة صنعت لتبدو كخلية نحل، ثم تهبط الجبل وتعود من حيث أتت. في المنزل، تطلق هاتدز نحلها في خليته الجديدة، وترحب به بأغنية تشدو بها. تظهر الشمس خلفها، وتضئ المكان، ويحوم النحل حولها، بينما هي تستمر في ممارسة عادة دأب عليها أو اعتاش منها أجدادها.

    هذه افتتاحية فيلم «أرض العسل»، وهي من أفضل الافتتاحيات لفيلم يركز على وحدانية بطله، وذلك المشهد ليس الوحيد الذي يستغله المخرجان ليوبو ستيفانوف وتامارا كوتيفسكا للتأمل في التوازن بين البشر والطبيعة. تعمل هاتدز لوحدها في هذا الجزء النائي من العالم، ولا تتوقف إلا للاعتناء بوالدتها المشلولة جزئياً، إضافة إلى رعاية حيواناتها، والذهاب في رحلة إلى العاصمة المقدونية سكوبيا لبيع محصولها من العسل والتبضع.

    غريزة اهتمامها بعملها وعنايتها بوالدتها هي نقطة قوة الفيلم، حتى عندما يتداعى عالمها بسبب جيرانها الجدد. في يوم ما، وبلا سابق إنذار، تأتي عائلة مزعجة وفوضوية، وتستوطن بجانب منطقة هاتدز، وتقلب حياتها رأساً على عقب بجلب كل الإزعاج إلى عالم هاتدز، وكأن الإزعاج هو الشيء الوحيد الذي ينقصها.

    يأتي الجيران بخوار أبقارهم وزقاء طيورهم وزعيق أطفالهم، وفي البداية تحاول التعامل معهم بشكل سلمي، وتصادق أطفالهم، وتغني لهم في صبر عجيب، دون أن تظهر أي علامة ضيق على محياها، لكن لسوء الحظ تقرر العائلة انتهاك منطقة عمل هاتدز دون الالتفات إلى نصائحها، ما أدى إلى تدمير توازن حياتها الطبيعي بشكل فج.

    يحوي «أرض العسل» دراما إنسانية كافية للفت انتباه حتى الذين يخافون النحل من المشاهدين. بعيداً عن خلايا نحلها، تكافح هاتدز للاعتناء بأمها المريضة، وتصارع ضد إمكانية تغيير حياتها. «أرض العسل» مصنوع بطريقة توثيقية للحقائق أكثر من توجيه مادة الفيلم من خلال نص مكتوب.

    كما يوثق الفيلم أسلوب تواصلها مع الآخر، المتمثل في الجيران المزعجين وحواراتها معهم. لا تتوانى الكاميرا عن توثيق مشهد لدغة النحل لأطفال العائلة، ولا تحجم عن تصوير هجوم النحل الغاضب على العائلة عندما تحاول الاستيلاء على كامل العسل، وكأن الجدل الذي يقع بين هاتدز وجيرانها يرمز لطبيعة الرأسمالية، فالعائلة المزعجة تريد زيادة إنتاج العسل، بسبب ازدياد الطلب، وهذا يتطلب خرق قانون هاتدز أو نصيحتها التي أشرنا إليها في فقرة سابقة، والقانون يقول: ضرورة تقاسم الإنسان العسل مع النحل، أي أخذ نصفه للاستهلاك والبيع، والإبقاء على النصف الآخر ليتغذى عليه النحل. وعدم التقيد بهذا القانون أو النصيحة سيخل بالموازين. الإخلال بالموازين، حسب بطلة القصة، يعني أنه لو أخذ رب العائلة المزعجة كامل عسل خليته، ولم يبق لنحله شيئاً، فإن نحله الجائع سيهاجم الخلية المجاورة، وهي ملك هاتدز، وسيقتل نحلها، وهذا ما يحدث. وهنا أقوى جانب في القصة، إذ إن نظام هاتدز يحافظ على البيئة، ويصون ديمومتها التي حافظت عليها أباً عن جد. وعندما تجاهلت العائلة نصيحتها، فقدت المرأة كل مصدر رزقها، ولم يبق لها شيء بسبب جشع رب العائلة.

    يتمتع الفيلم بجوانب فنية قوية، إلى جانب قصته الجميلة المعبرة والمؤثرة، فالتصوير مبهر، ويستغل المواقع الخارجية أجمل استغلال لرسم لوحات للطبيعة، إضافة إلى جرأة المصورين فيمي دوت وسمير ليوما اللذين تمتعا بشجاعة، واقتربا من خلية النحل بكاميرا محمولة بثبات.

    يلتقط المصوران مشاهد مايكروسكوبية لعالم النحل عند تسليط عدستهما على بقايا العسل، ويصوران مشاهد عدة تبدو بالأصفر الداكن، أي لون العسل، خصوصاً مشاهد جدل هاتدز مع والدتها، وهي حركة فنية بارعة ومبتكرة لرسم تناسق بين موضوع الفيلم وجانبه الفني، المتمثل في نوع ولون وطريقة تركيب لقطاته.

    كذلك نلاحظ صلة بين بطلة القصة وصناع الفيلم من ناحية سعة الحيلة، خصوصاً الجانب المتعلق باستغلال الطبيعة. معظم إضاءة الفيلم معتمدة على الشمس أو نور الشموع، وكلاهما أصفر بدرجة معينة. حركة الكاميرا تبدو أحياناً متعرجة، تماشياً مع حركة المصورين اللذين يتأقلمان مع طبيعة المكان الوعرة لأخذ لقطاتهما المثالية.

    ناهيك عن ابتعاد المخرجين وخروجهما من القصة بشكل كامل، والاكتفاء بالرصد والتوثيق عن بعد، وترك الطبيعة تأخذ مجراها بين طرفي الصراع في القصة. يمنح «أرض العسل» المشاهد تجربة انغماسية في مجرياته، وبلا شك هو أفضل ما يعكس علاقتنا بالطبيعة.

    كلمة أخيرة

    هذا الفيلم هو سينما أصيلة. «أرض العسل» مثال ممتاز على ما نفتقد وجوده في دور العرض المحلية، فلماذا لا نشاهد أفلاماً هكذا، تحكي قصصاً إنسانية عابرة للحدود، وتشير رغم بساطتها الشديدة وبذكاء وحنكة إلى أن جشع الإنسان سبب تدمير البيئة!

    لماذا التركيز على أفلام خاوية أو كوميديا سخيفة أو أكشن فج أو بالطبع مارفل وعصابة الأبطال الخارقين وضجيجهم الأقرب إلى قصف طائرات إف 16! ماذا حدث للذوق العام؟ سؤال يحير كاتب هذا الموضوع. بكلمات أخرى، لماذا يصر موزعو الأفلام على إرضاء ذوق واحد فقط!

    لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


    يحوي «أرض العسل» دراما إنسانية كافية للفت انتباه حتى الذين يخافون النحل من المشاهدين.

    هذا الفيلم هو سينما أصيلة.. «أرض العسل» مثال ممتاز على ما نفتقد وجوده في دور العرض المحلية.

    طباعة