حصد أول جوائز الموسم

«1917».. رحلة سينمائية في جحيم الحرب

صورة

فيلم 1917 الفائز بجائزة غولدن غلوب في نسختها الأخيرة لأفضل فيلم ومخرج، يوظف مخرجه الإنجليزي سام منديز - الذي شارك في كتابته - أسلوب اللقطة الواحدة الطويلة في تصوير العمل من بدايته لنهايته من دون أي قطع. نعلم أن ذلك مستحيل، وأن القطعات موجودة وحذفت رقمياً، لكن تبقى للمخرج أسبابه ورؤيته في اختيار أسلوب الفيلم، وأهمها وضع المشاهد في قلب الحدث.

كانت حرب الخنادق ميزة الحرب العالمية الأولى عندما كانت الطائرات والدبابات إضافة تكميلية لسلاح المشاة. وكانت الأحصنة مازالت في الخدمة أكثر من المركبات العسكرية.

لا يخوض «1917» في معارك الجبهات، لكنه يعرض نتائجها وآثار المجازر التي خلفتها في أوروبا الغربية. نرى بعض الجثث ناقصاً والبعض الآخر متعفناً وبقايا حيوانات أصبحت غذاء للجرذان والزواحف والحشرات.

يغطي الطين والوحل ساحات المعارك، ويغطي مناظر تثير الغثيان. فقد الجنود إحساسهم تجاه الموت، وصاروا يخرجون من الخنادق بتسلق جثث زملائهم دون التفكير في فظاعة ما يحدث.

القصة بسيطة جداً، والسيناريو مبني كأنه رحلة طريق من نقطة إلى أخرى تتخللها محطات توقف أشبه بالجحيم وعلى الشخصيات اجتيازها حتى تصل إلى وجهتها. التاريخ 6 أبريل من عام 1917، وهناك الكتيبة البريطانية الثانية على وشك الدخول في مصيدة من تدبير الألمان لو نجحت ستتسبب في مقتل 1600 جندي.

أكدت طائرات الاستطلاع البريطانية أن الانسحاب الألماني الشهير بعملية ألبيريش مجرد خدعة مخططة منذ فترة، وبمجرد دخول الكتيبة البريطانية الأراضي التي انسحب منها الألمان، يأتي العدو ويطوقها ويبيدها عن بكرة أبيها. وبسبب عدم وجود وسيلة اتصال بين القيادة والكتيبة في الجبهة، تقرر قيادة التحالف إرسال جنديين لعبور الأراضي الخالية التي كانت مسرحاً للمعارك ثم تخطي أراضي العدو للوصول إلى الجبهة حيث ترابط الكتيبة وإبلاغها بأوامر إلغاء الهجوم.

الجنديان هما بليك (دين تشارلز تشابمان) وويليام سكوفيلد (جورج مكاي)، الأول لأن شقيقه ملازم في الجبهة، والثاني لأنه في المكان الخطأ والوقت الخطأ. باستثناء لقطة انقطاع في الوسط فإن بقية الفيلم تقع في خط زمني واحد.

يعني يبدأ الفيلم باستلام الجنديين أوامر الذهاب إلى موقع الكتيبة، وبمجرد بدء الرحلة ترافقهما الكاميرا دون أي قطع ودون مشاهد استرجاعية حتى النهاية باستثناء لقطة الانقطاع التي سنشرحها لاحقاً.

يدخل الجنديان خنادق صديقة ثم أراضي خالية أحرقت ودمرت جراء المعارك والمدفعية الثقيلة محطمة على جانبي الطريق، ثم يدخلان في مواقع تمركز وتحصينات الجنود الألمان، ويحاولان اجتيازها حتى الوصول إلى الوجهة.

من البطء للاشتعال

تمضي النصف ساعة الأولى بطيئة وصامتة من حيث أصوات المعارك لكنها مملوءة بالحوارات بين الجنديين. الغرض منها تأمل فظائع الحرب وكلفتها البشرية والبيئية، ولو أن منديز حذر في عرض تفاصيلها. تسيطر حالة من البطء على الأحداث حتى انقضاء معظم الساعة الأولى من الفيلم وقبل أن يبدأ المشاهد في التساؤل عن سبب مشاهدة فيلم حربي هادئ، يدخل مشهد معركة طائرات في الجو فوق رأسيي الجنديين وتسقط إحداها بجانبهما.

بمجرد اكتمال الساعة الأولى يشتعل الفيلم ويمضي أسرع وهذه لقطات دخول أراضي الألمان الذين يطلق قناصوهم الرصاص على أحد الجنديين، وتتولد معركة رصاص بينه وبين القناص إلى أن تتقلص المسافة بينهما إلى مترين ثم يحدث انقطاع وتتحول الشاشة إلى سوداء ولا نريد ذكر ما يحدث. بمجرد زوال الانقطاع نرى الجندي يجتاز أراضي العدو الذي يطارده، ومن جحيم إلى آخر ومن أرض إلى أخرى ومن مطاردة إلى اشتباك ومعركة ومن ورطة إلى مأزق؛ حتى يصل جندي منهما إلى الكتيبة المرابطة. تعمد منديز استخدام ممثلين غير معروفين للبطولة، وآخرين مشهورين في الأدوار المساعدة حتى لا تطغى نجومية المشاهير على أجواء الحرب في الفيلم. تشابمان ومكاي ممثلان غير معروفين سينمائياً، لكنهما يعطيان أداء من العواطف والمشاعر وردات الأفعال بمثابة العملة التي يوظفها منديز لسرد القصة المقتبسة من وقائع عدة حدثت أثناء تلك الحرب.

بلقطة واحدة

عندما صنع ألفريد هتشكوك فيلم «حبل» عام 1948، أصبح أول صانع أفلام ينجز فيلماً كاملاً بلقطة واحدة غير مقطعة، رغم أن الخبراء يعلمون أنه وظّف خدعة بصرية، وأن التقطيع أو المونتاج مخفي. حاول عدد من المخرجين تكرار المحاولة عبر السنين التي تلت، وأنجح محاولة كانت من نصيب المكسيكي أليخاندرو غونزاليس إيناريتو في فيلم بيردمان الحائز أوسكار أفضل فيلم عام 2014.

ثم منديز في «1917» والذي وظفها بمساعدة المصور الإنجليزي العجوز البارع روجر ديكنز. أما أول فيلم صور بلقطة واحدة دون تقطيع خفي كان الروسي Russian Ark عام 2002.

بوسعنا القول جدلاً إن لا هتشكوك ولا إيناريتو كانا مضطرين لتوظيف الحركة، لكن منديز ربما أفضل من وظّفها بشكل مؤثر وفني لأن فيلمه غير محشور في شقة (حبل) ولا يلاحق شخصية تعيش هاجساً نفسياً بسبب خفوت شهرتها (بيردمان) لكنه يطارد جنديين يجتازان مناطق حربية. وهذا ما يجعل الأسلوب جزءاً من البصمة الوراثية للفيلم.

من أجمل مشاهد الفيلم اللقطة الأولى بعد الانقطاع وهي محاولة الجندي عبور أرض للعدو والتي صورها ديكنز وكأنها قطعة من الجحيم، إذ تملأ النيران الأفق ومن بعيد نرى جندياً يمشي باتجاه الكاميرا مثل شبح يخرج من النار.

ثاني أجمل المشاهد لقطة معركة اشتباك أيادي بين سكوفيلد وجندي ألماني، يصورها ديكنز في ظلام دامس معتمداً على إضاءة الخلفية فقط فيظهران في سواد كامل، والمعنى هنا تأكيد النبرة السوداوية للفيلم.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


«أوسكار».. متوقع

فاز الإنجليزي منديز بأوسكار أفضل مخرج وأفضل فيلم عن «جمال أميركي» عام 2000، ومن المتوقع أن «1917» سينافس على أفضل فيلم في حفل الأوسكار المقبل.

سام منديز يوظّف أسلوب اللقطة الواحدة الطويلة في تصوير الفيلم من بدايته لنهايته من دون أي قطع.

لجأ منديز لبطلين غير معروفين، وآخرين مشهورين حتى لا تطغى النجومية على أجواء الحرب.

6

أبريل عام 1917، تعود أحداث الفيلم خلال الحرب العالمية الأولى.

طباعة