يعكس أفضل حالة نفسية لترانتينو

«ذات مرة في هوليوود» يقدم أفضل ثنائي بطولة بالعِقد الحالي

صورة

فيلم Once Upon a Time in Hollywood «ذات مرة في هوليوود» هو العمل التاسع لصانع الأفلام الأميركي كوينتن ترانتينو، والأكثر مزاجية والأقرب إلى قلبه. الفيلم طويل جداً، ومتحرر من أي قيود أو سيطرة لكنه مليء باللحظات الجميلة والأداء الرهيب وأجواء هوليوود في عقد الستينات ممزوجة بنوستالجيا خيالية وواقعية لا غبار عليها. ليس تحفة سينمائية وبه قدر من الفوضوية، لكنه يبقى في ذاكرتك بعد الخروج منه.

يمضي الفيلم بخفة شديدة رغم بطئه النسبي، متنقلاً بحرية بين قصصه المتوازية دون أن يتوقع أحد مسار القصة. هذا الفيلم الأقل عنفاً لترانتينو؛ لكنه يحمل بصمة المخرج كمُنتَج من الرجل الذي صنع فيلم «بالب فيكشن».

بالنسبة لترانتينو، فإن صنع «ذات مرة في هوليوود» ونتعمد إعادة ذكر عنوان الفيلم، يعكس البيئة التي عشقها الرجل وتربى وهو يراها أمامه، إنه يصنع ما هو مستمتع به جداً. المهم أن ندرك أن الرجل في أفضل حالة مزاجية، وأن الفيلم انعكاس كامل لحالة نفسية يعايشها.

وكأن لدى ترانتينو قائمة بالأشياء الضرورية التي يريد وضعها في هذا العمل، وكلما وضع شيئاً شطبه منها: وضع ليوناردو دي كابريو مقابل براد بيت، كأنهما روبرت ريدفورد وبول نيومان. وكأنه طفل أمام صندوق ألعابه، يعيد إنشاء هوليوود عام 1969 ويضيف إليها ممثليه، بل ويحذف نجوم السينما آنذاك ويضع ممثليه مكانهم.

هل تخيلت يوماً كيف سيبدو فيلم «الهروب الكبير» لو حذفت ستيف مكوين ووضعت دي كابريو مكانه؟ وكما الحال مع «بالب فيكشن» فإن ترانتينو لا يكتفي بسرد قصة واحدة، بل يمسك بخيوط قصص ويحيكها ويصنع منها عقداً. العقد ليست بالضرورة متماسكة لكنها تكفي المتأمل ليعايش نفسية الرجل.

وكما فعل في «إنغلوريوس باستردز» منذ عقد؛ فإن ترانتينو يعيد كتابة التاريخ وفقاً لمزاجه، ويحذف الموجود في الكتب ويقلبه رأساً على عقب. بكلمات أخرى، يأخذ الرجل ذلك النسيج المزدان بالرسوم المعلق على حائط ويفكك خيوطه ويعيد نسجها كما يشاء. والكل يعلم من الفيلم المذكور في هذه الفقرة ومن هذا الفيلم أيضاً أن ترانتينو لا يريد الاتفاق مع الحقائق المذكورة في كتب التاريخ وبشكل متطرف!

أجزاء من قصص

تجري أحداث الفيلم في لوس أنجلوس عام 1969 والتركيز على ثلاث شخصيات: أفول أيقونة الويسترن التلفزيوني ريك دالتون (دي كابريو)، ممثل أدوار المجازفة الخاص بدالتون كليف بووث (بيت)، والنجمة الصاعدة آنذاك شارون تيت (مارغو روبي). الأول والثاني من خيال ترانتينو لكن تيت شخصية حقيقية كانت زوجة المخرج الشهير رومان بولانسكي، ولقيت حتفها في جريمة عشيرة مانسون المعروفة.

علماً بأن ترانتينو صرح بأن دالتون تجميع من شخصيات حقيقية آنذاك أبرزها الممثل الكندي المخضرم ويليام شاتنر. ولتخليد ذكرى تيت تواصل ترانتينو مع شقيقتها ديبرا، وتجنب زوجها بولانسكي المتهم باغتصاب قاصر، والهارب من الولايات المتحدة منذ عام 1978.

تتوالى أحداث الفيلم رغم عدم وجود قصة واضحة أو متكاملة (ما نراه أجزاء من قصص)، في سياق تغير كبير طرأ على صناعة الترفيه آنذاك، وبلغ تأثيره الشديد في حياة دالتون ورفيقه بووث.

كما تجري قصص الفيلم بالتوازي مع حدث كبير في الخلفية، هو المذبحة التي ارتكبتها عائلة مانسون المؤلفة من مجموعة نساء صغيرات السن واقعات تحت سطوة وتأثير المجرم المكيافيلي المخادع والغامض تشارلز مانسون (ديمن هاريمان)، واللاتي يرغبن بقتل ضحاياهن تنفيذاً لرغبة الشيطان وإرضاء لزعيمهن.

ضحك هيستيري

التاريخ واضح في ما حدث دون أي لبس في تلك الليلة من أغسطس 1969، رغم تلاعب ترانتينو بالأحداث وإعادة صياغتها بما يتوافق مع مزاجه.

الفيلم ليس عن مانسون ولا جريمته، فهو إجمالاً عن قصة مألوفة جداً تصنعها هوليوود منذ بداية الخمسينات. عن حال صناعة الترفيه في الخمسينات والستينات. دالتون في حالة نفسية سيئة بعد إلغاء القناة لمسلسله، ويحاول إعادة إطلاق نجوميته من خلال دور شرير، ويدرس خياراً طرحه عليه وكيل أعماله مارفن شوارتز (ألباتشينو)، وهو السفر إلى روما وصنع أفلام من نوعية «سباغيتي ويسترن» وهي الموجة التي انطلقت مطلع الستينات تحت إدارة الراحل سيرجيو ليوني.

بووث، ظل دالتون أثناء تصوير المشاهد الخطيرة ورفيقه في وقت الفراغ، ومتسكع عندما يفترقان، ويبدو أنه راضٍ بحياة الهامش. تيت نجمة في بداية الطريق منبهرة بأضواء هوليوود. الفيلم عن هؤلاء الثلاثة وهجوم مانسون.

أعاد ترانتينو كتابة الكوميديا، فالمشاهد التي تسبب ضحكاً هيستيرياً في «بالب فيكشن» كانت العنيفة (المشهد الأشهر عندما يقتل فينسنت مارفن خطأ برصاصة في رأسه). رغم أن ترانتينو قيد العنف بشدة وأطلقه في المشهد الأخير فقط، فإن هذا الفيلم هو الأقرب إلى «بالب فيكشن» من ناحية الكوميديا.

يوظّف ترانتينو الكليشيهات وهو أفضل من يوظّفها لتوليد الكوميديا؛ ما يجعل هذا الفيلم أفضل كوميديا في 2019 حتى الآن رغم أن تصنيفه ليس كذلك. ولا ينسى الرجل توقيعه والمشهد الذي أصبح بصمة لا تفارق أفلامه: مشهد القدمين الحافيتين. والمقصود الإشارة إلى «بالب فيكشن».

ورغم أن السينما تعيش عزّ عصرها الرقمي، فإن ترانتينو صوّر العمل باستخدام فيلم 35 مم، الذي كان مستخدماً في الستينات والرجل لم يصور أي فيلم له بكاميرا رقمية ويرفض استخدامها. ترانتينو لم يدرس السينما بل كان عاملاً في محل فيديو، ومكّنه ذلك من مشاهدة كل أنواع الأفلام، خصوصاً الرديئة.

يصنع ترانتينو أفلامه من بقايا أفلام قديمة سابقة يصيغها بطريقته الخاصة؛ أي إنه مقلد لكنه بطريقة سحرية ابتكر خطاً متطرفاً في السينما بصنع الأصالة من التقليد! هذا الفيلم - وكذلك الأفلام السابقة - مصنوع من أفلام أخرى تأثر بها ترانتينو، لكن هنا وربما للمرة الأولى وبهذا المقدار يستعير الرجل من فيلمه الثاني «بالب فيكشن» 1994.

حاول كثيرون تقليد ترانتينو ولم ينجح أحد لأن الرجل يتمتع بموهبة استثنائية، وقادر على إعداد طبخته الخاصة المكونة من مقادير وضعها غيره لكنه وظف صيغة ونكهة لا يتذوقها المشاهد إلا في أفلامه.

لم يخترع ترانتينو فكرة ثنائي البطولة، لكن هذا الثنائي (ليوناردو كابريو وبراد بيت) هو أفضل ثنائي منسجم في فيلم لدرجة الكمال في هذا العقد. ودي كابريو تحديداً يستحق أوسكار أفضل ممثل عن هذا الدور.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


وجوه مألوفة

معظم الممثلين الرئيسين والمساعدين في الفيلم عملوا سابقاً مع ترانتينو، باستثناء مارغو روبي وألباتشينو، أما فتاة الورد في الفيلم فهي مايا هوك ابنة الممثلة أوما ثرمان بطلة فيلم ترانتينو «اقتل بيل» 2003. وبالنسبة لدي كابريو فإن دوره هنا أفضل وأكبر من «جانغو طليقاً» لترانتينو عام 2012.

1969

العام الذي تجري به أحداث الفيلم في لوس أنجلوس.

الفيلم يعكس البيئة التي عشقها ترانتينو وتربى وهو يراها أمامه، إن المخرج يصنع ما هو مستمتع به جداً.

طباعة