حوارات ركيكة وإخراج غير متماسك

«ذا كيتشين».. رداءة وتخبط كامل في الرؤية الفنية

صورة

للمرة الثانية في أقل من عام، يأتينا فيلم عن زوجات رجال عصابات يتحولن إلى الجريمة بعد إبعاد أزواجهن. الفيلم الأول كان «أرامل» للمخرج الإنجليزي ستيف مكوين. لسنا بحاجة إلى عقد مقارنة لأنها تظلم «أرامل» الأفضل كثيراً من The Kitchen الرديء.

فيلم «ذا كيتشين» مقتبس من قصص مصورة (كوميكس) بالعنوان نفسه، نشرتها «فيرتيغو» المملوكة لـ«دي سي». يأتي الفيلم وفقاً للظروف السياسية الحالية التي تريد هوليوود تعزيزها، وهي تمكين المرأة وتقوية دورها في المجتمع، حتى لو سلكت طريق الإجرام. المهم خلط الأوراق وإعطاء دور لطالما كان حقاً للرجال منذ فجر السينما للنساء.

العام 1978 في نيويورك، كاثي (ميليسا مكارثي) أمّ لطفلين، مع زوجها جيمي (برايان جيمس) وهو عضو في عصابة إيرلندية. كلير (إليزابيث موس) مع زوجها روب (جيريمي روب) الحثالة الذي يعتدي عليها بالضرب، ولا يقدّر وجودها في حياته.

روبي (تيفاني هديش) متزوجة من كيفن (جيمس باج ديل) زعيم العصابة الإيرلندية في منطقة هيلز كيتشين. بعد رحيل والد كيفن، الذي كان يدير شؤون العصابة، لم تفقد والدته هيلين (مارغو مارتنديل) الاحترام الذي حظيت به في منطقتها، لكن هيلين غير راضية عن زواج ابنها من امرأة سوداء، ولا تخجل من التعبير عن رفضها للأمر.

يحكم على الرجال بثلاث سنوات في السجن، لسرقتهم محل بيع خمور والاعتداء على رجلَي أمن. تجد الزوجات أنفسهن في ورطة، لأن المال الذي يحصلن عليه من زعيم الجريمة المنظمة، مايك ويتفورد الملقب بـ«ليتل جاكي»، لا يكفي لتسديد إيجار مساكنهن.

يستمر ليتل جاكي، وهو بالمناسبة عبارة عن مهرج عصبي المزاج وأنيق ولا يتمتع بأي كفاءة، في تحصيل الأموال تحت مسمى «حماية» من تجار منطقته الذين سئموا من انعدام كفاءته، خصوصاً مع انتشار الجريمة بشكل أكبر من السابق، وتضررهم منها رغم دفعهم الأموال إليه.

قاتلات بلا تمهيد

تقتنص الزوجات أول فرصة تسنح لهن لإحلال أنفسهن في مواضع أزواجهن السابقة، ويبدأن عملية التحصيل، وفرض الحماية على تجار منطقتهن، بمساعدة بعض الرجال ممن يدينون بالولاء لأزواجهن.

ودون أن نرى تمهيداً للمرحلة التالية، لا على شكل مونتاج سريع ولا حتى بكتابة «بعد مرور ثلاثة أشهر» على الأقل على الشاشة، فجأة نرى كاثي وكلير وروبي يشهرن مسدساتهن في أوجه التجار ويراكمن الأموال، ويتعلمن تقطيع الجثث قبل وضع الأجزاء في أكياس قمامة ورميها في النهر.

وكأن الأمر سهل جداً عليهن كسهولة أكل الفيشار في صالة سينما! لو وجدت أن الأمر لا يدخل عقلك فلست مضطراً لمسامحة الفيلم، حتى لو علمت أنه مقتبس من قصص مصورة! حتى كابتن أميركا ورفاقه من الخارقين، مقتبسون من قصص مصورة، لكنهم أكثر إقناعاً من هراء «ذا كيتشين»!

يظهر غابرايل (دونال غليسون)، وهو جندي عائد من فيتنام، ومصاب بمرض اضطراب ما بعد الصدمة، الذي اتجه غرباً - أي غرب الولايات المتحدة - فترة ثم عاد إلى نيويورك لمهمة محددة. أول ظهور لغابرايل على الشاشة حدث فجأة دون أي مقدمة. وتم تصويره وتقديمه وكأننا نعرف الرجل، ونحن لم نستوعب حتى سرعة دخوله التي قوضت مشهداً قوياً ومؤثراً كان على وشك الحدوث.

تجربة أولى

المخرجة أندريا بيرلوف التي كتبت أفلاماً عدة، وشاركت في كتابة فيلم Straight Outta Campton عام 2015، تخوض تجربتها الإخراجية الأولى في هذا الفيلم، وتخفق فيها من أول نصف ساعة، بسبب استعجالها الشديد في الكتابة والإخراج معاً.

كان أمام بيرلوف خياران في الرؤية الفنية: إما سرعة تطور الأحداث والصدمات السريعة والعنف الشديد، وهو أسلوب القصص المصورة الذي اختارته للفيلم، أو أن تلجأ لأسلوب الدراما الطبيعية التي تتطلب تمهيداً مقنعاً ونفسياً لأنها تحاكي أطوار الحياة العامة، ولأن الشخصيات بشرية وليست رسومات كرتونية!

في رؤية بيرلوف الرصاصات تتطاير مسببة دماء تنزف كرشاشات مياه، النساء الثلاث يتحولن إلى مجرمات في غمضة عين، وتختفي منهن أي إنسانية ضرورية لمثل هذه الدراما، إلى درجة أننا نصل لمرحلة عدم الاهتمام بمن يعيش ومن يموت، لأن جميعهن قاتلات بدم بارد. بكلمات أخرى، لدينا ثلاث شخصيات تحولت من لا شيء إلى مجرمة بالطريقة نفسها تماماً، ولا يوجد فارق بينها! أليس ذلك مملاً؟!

تردد كاثي جملة: «أنا بنيت كل هذا أو ما نحن فيه»، بعدد المرات التي تتردد فيها العبارة في المسلسلات الخليجية الأتعس من هذا الفيلم، المشكلة أن بيرلوف لا تقدر قيمة هذه الجملة. مثلاً، استخدم المخرج الأميركي المخضرم، مارتن سكورسيزي، هذه الجملة في فيلمه الرائع «كازينو» 1995، في المشهد الأخير عندما رأى سام (روبرت دينيرو) إمبراطوريته تهدم، وقرر إعادة بنائها، وكان ذلك بعد مرور ثلاث ساعات على تلك الملحمة، وليس أقل من نصف تلك المدة في شرع بيرلوف!

مثال آخر، يقول وولتر وايت تلك الجملة في المسلسل الرائع Breaking Bad بعد أكثر من 50 حلقة، بثت في ستة أعوام، شاهد العالم خلالها كيف بنى إمبراطوريته بتفاصيلها الشيقة، لهذا السبب كان مقنعاً جداً، وليس كما تفعل بيرلوف.

حوارات بيرلوف ركيكة وإخراجها غير متماسك إطلاقاً، ولا تعرف كيف ومتى تستخدم لقطة رد فعل الشخصية، نبرة المشاهد غير متوازنة وغير مستقرة، فإما أن المشهد ينتهي بسرعة، أو يمضي لوقت طويل في حوارات تسبب الزهق. كأن الفيلم عانى تدخلات كثيرة من قبل أشخاص رغبوا في طرحه بغرض التخلص منه والمضي في مشروع آخر.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


مفاجأة.. هذه الفوضى

مكارثي غير مقنعة بعد أدائها الجميل في «هل ممكن أن تسامحني»، هادش من تخبط إلى آخر في أداء مزهق للروح، موس الوحيدة المتمكنة إلى حد ما.

عند نهاية الفيلم تحدث مفاجأة رخيصة شاهدناها عشرات المرات، المفاجأة بالضبط كأن يقول لك صديق قصة، وعندما ينتهي يخبرك أنها كانت كذبة من الأساس، وغلطتك أنك صدقت.. بكلمات أخرى، لا تضيعوا وقتكم الثمين مع هذه الفوضى.

الفيلم يأتي وفقاً للظروف السياسية الحالية التي تريد هوليوود تعزيزها؛ وهي تمكين المرأة وتقوية دورها في المجتمع، حتى لو سلكت طريق الإجرام.

3

شخصيات تحولت من لا شيء إلى مجرمة بالطريقة نفسها تماماً، ولا يوجد فارق بينها! أليس ذلك مملاً؟!

طباعة