الإمارات اليوم

فيلم بنبرة مختلّة.. ومشتت فنياً

«آي تونيا».. الإصرار على الكوميديا يقوّض الرؤية الفنية

:
  • عرض: عبدالله القمزي

فيلم «I, Tonya» (آي، تونيا) عن القصة الحقيقية لبطلة التزلج الفني الأميركية تونيا هاردنغ، التي توجت أعوام: 1989 و1991 و1994، ببطولة التزلج الوطنية، وأول متزلجة أميركية تحقق القفزة الثلاثية triple axel ثلاث مرات في التاريخ، وهي عبارة عن ارتقاء المتزلجة في صالة جليدية مغلقة في الهواء، والدوران حول نفسها بسرعة كبيرة، قبل النزول أرضاً دون أن تفقد توازنها.

لن نفسد الفيلم لو قلنا إن الحقيقة المذكورة أعلاه، هي آخر لقطة في الفيلم مأخوذة من كاميرا التلفزيون، التي صورت هاردنغ على الهواء مباشرة. الغرض من اللقطة هو تذكيرنا بأن سمعة هاردنغ تلطخت عندما ارتبط اسمها بفضيحة الاعتداء على منافستها نانسي كاريغان، عندما تآمر زوج هاردنغ مع حارسها الذي أرسل رجلاً ضرب ركبة كاريغان وكسرها.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


قصة تستحق الأفضل

قصة الفيلم تستحق معالجة أفضل ونبرة جادة، لأنها مثيرة للاهتمام، لكنها ليست قوية، ولو كانت قوية لربما كانت الكوميديا السوداء مناسبة لتخفيف وقعها، لكن لا يبدو أن غاليسبي مستوعب لكيفية التعامل مع مادة الفيلم، بسبب محدودية خياله الإبداعي.

3

مرات، توِّجت فيها تونيا هاردنغ ببطولة التزلج الوطنية، أعوام: 1989 و1991 و1994.

بعد التحقيق في الحادث، واعتراف هاردنغ بإعاقة سير العدالة بمعرفتها ما حدث بعد وقوعه فقط، وامتناعها عن الإبلاغ عنه، وحكم القاضي بتجريدها من بطولة 1994، ومنعها من ممارسة التزلج مدى الحياة.

تعمد المخرج الأسترالي كريغ غاليسبي (أخرج الفيلم الفاشل ذا فاينست آور) وضع تلك اللقطة الحقيقية في النهاية ليخدم غرضاً مهماً، هو تذكير المشاهد بأداء النجمة الأسترالية المذهل مارغو روبي، ومقارنته بالشخصية الحقيقية وهي تتزلج أمامنا.

بين المعاناة والفضيحة

يركّز الفيلم على معاناة هاردنغ (روبي - للعلم قرار المخرج تقديم النجمة ذات الـ27 عاماً لأداء هاردنغ في سن الـ15 غير مقنع) أثناء تنشئتها مع والدتها صعبة المراس لافونا (أليسون جاني في دور استحقت الترشيح عنه لأوسكار أفضل ممثلة مساعدة)، التي تؤذيها لفظياً وجسدياً بضربها وركلها، ولا تتردد في ربط بطولات ابنتها بأسلوب تنشئتها. لافونا تتحكم في حياة ابنتها بشكل لا يطاق؛ إلى درجة منعها من تكوين صداقات مع زميلاتها المتزلجات.

ينتقل الفيلم بعد ذلك إلى تعلق هاردنغ بأول شاب تلتقيه، والذي يصبح صديقها ثم زوجها. كأن الأذى الجسدي لا يريد مفارقة هاردنغ، إذ إن زوجها جيف غيلولي (سباستيان ستان) يكمل ضرب ولكم زوجته من حيث توقفت والدتها! هاردنغ لا تتردد في رد الضربات إلى زوجها، فجولة لصالحه وأخرى لصالحها، مع تفوقه في معظم الجولات.

النصف الثاني من الفيلم يهمش هاردنغ، ليركز على مؤامرة زوجها مع صديقه الغبي شون إيكارت (بول وولتر هوزر) لتنفيذ الاعتداء على كاريغان، والفضيحة وكيف قضت على حياة هاردنغ الرياضية. من الواضح أن غاليسبي يريد منا التعاطف مع بطلته؛ لكنه لا يعرف كيف يفعل ذلك.

نسخة مبهرجة

الساعة الأولى من الفيلم تطغى عليها سمات منهج صانع الأفلام الأميركي مارتن سكورسيزي، إذ تكثر فيها مشاهد الأبطال يتحدثون بشكل مباشر إلى الكاميرا بطريقتين: الأولى: طريقة المقابلات التوثيقية، والثانية: الخروج من المشهد للتحدث مباشرة إلى الجمهور؛ كما يفعل ممثلو المسرح.

الساعة الثانية من الفيلم ينتقل أو يمزج فيها غاليسبي بين منهج سكورسيزي، ومنهج الأخوين جويل وإيثان كوين المتميزين في صنع الكوميديا السوداء، وهنا يتشتت الفيلم كثيراً لأسباب عدة، أهمها:

أولاً: غاليسبي يريد منا التعاطف مع هاردنغ، لكنه يضع كلامها مقابل كلام زوجها، فهي تقول وهو يكذبها والعكس؛ ما يشكل حالة تشوش على المشاهد، ويقلل درجة تفهمنا لموقف هاردنغ.

ثانياً: ثلاث شخصيات تخرج من المشهد لتتحدث مباشرة إلى الجمهور، ما يعني أن غاليسبي، وكاتب النص ستيفن روجرز، يقدمان الفيلم من وجهات نظر عدة، وهذا في حالة هذا الفيلم تحديداً أحدث حالة غموض غير ضرورية، فالقصة ليست جريمة قتل أو اختطاف مثلاً، هي عن مجرد اعتداء على رياضية منافسة تحوّل إلى فضيحة، لكن غاليسبي وروجرز يصران - على تعدد وجهات النظر في قالب كوميدي - على التركيز في رؤية أو زاوية معينة.

السبب أن تعدد وجهات النظر يسرّع إيقاع الفيلم، ويعطيه طابع الفيلم التوثيقي، لكن ذلك جاء على حساب تقديم شخصية معقدة، ونص عميق كانت القصة في الحقيقة بأمس الحاجة إليه.

ثالثاً: يحرص غاليسبي على إبراز وجهات نظر، جميعها من طرف هاردنغ، لكن لا نعلم ما وجهة نظر كاريغان، وهي ضحية الاعتداء.

رابعاً: النص يقول لنا إما أن هذا ما حدث أو ذاك! فلا نعرف لو كنا نشاهد قصة حقيقية كما وقعت، أم نسخة مبهرجة من الواقعة، هذا بدوره يقوض محاولة المشاهد الارتباط العاطفي بالشخصية.

خارج السيطرة

فنياً.. الفيلم مشتت؛ إذ يبدأ بأداء روبي 45 دقيقة، ثم ينتقل إلى حادثة الاعتداء، ويتحول إلى فيلم بوليسي بكوميديا سوداء تنحدر بشدة إلى مستوى التهريج، ثم يعود إلى أداء روبي في الخاتمة.

يهجم الفيلم بشكل كاسح على مشاعر المشاهد بسبب النبرة المتقلبة؛ إذ من الواضح أن الفيلم خرج عن سيطرة غاليسبي، فلا نكاد نرتبط عاطفياً بهاردنغ أو كاريغان التي تظهر في لقطتين، حتى ينقطع المشهد فجأة أو نسمع أغنية صاخبة تناقض الجو العام للقطة ما.

يلعب الفيلم على القيل والقال بين هاردنغ وزوجها بأسلوب كرتوني، وهناك مشهد نرى فيه هاردنغ تحمل بندقية وتلاحق زوجها! السؤال: هل من المفترض أن نضحك أم نشهق خوفاً؟ من المؤكد أن غاليسبي نفسه لا يعلم.

غاليسبي متمكن من مشاهد روبي داخل الحلبة، وهي كلها مشاهد جميلة تصويراً وأداء، بل حتى من ناحية المغزى، إذ يمكن ربط قفزات هاردنغ الثلاثية، وهو إنجازها التاريخي برغبتها في الهروب من واقعها الأليم ونظرة المجتمع الطبقية إليها.

روبي بأدائها الرائع أيضاً مرشحة لجائزة أفضل ممثلة، أما جاني فهي التي خطفت الأضواء في دور الأم المتسلطة، الذي يعيد إلى الأذهان دور فاي دانواي كأم مرعبة في فيلم Mommie Dearest عام 1981.