فيلم كندي صور في فلسطين والأردن

«إن شاء الله».. أمل رهن المــشيئة

الفيلم يتناول قصة طبيبة كندية تعمل في مخيم للاجئين الفلسطينيين في مدينة رام الله وتقيم في منطقة الخط الأخضر في القدس المحتلة. الإمارات اليوم

في المجتمعات العربية، على أقل تقدير تعد عبارة «إن شاء الله»، وعداً مع وقف التنفيذ، يبث الأمل قليلاً، مع الإدراك الداخلي بصعوبة تحقيق الطلب المرجو، لذلك على ما يبدو كان اختيار المخرجة الكندية أنايس باربو لافاليت هذه العبارة عنواناً لفيلمها الذي صُور في فلسطين والأردن، وعرض في مهرجان برلين في دورته الماضية، وحصل على جائزة لجنة التحكيم، ويعرض حالياً ضمن خدمة الأفلام المنزلية التي تقدمها إحدى شركات الاتصال في الدولة.

«إن شاء الله» من بطولة الكندية إيفيلين بروشو، والفرنسية من أصل مغربي صابرين وزني؛ ويتناول قصة طبيبة كندية تعمل في مخيم للاجئين الفلسطينيين في مدينة رام الله، وتقيم في منطقة الخط الأخضر في القدس المحتلة.

تكمن أهمية الفيلم في أن الخطاب الموجود فيه موجه إلى غير الناطقين باللغة العربية، وعلى إثر ذلك مطلوب من المشاهد العربي غضّ البصر عن الأخطاء الموجودة في الفيلم؛ مثل اتقان اللهجة الفلسطينية في شخصية رند، فهذا التفصيل ليس مهماً في حضرة قصة عادلة برؤية غربية، عنوانها أن الحياد لن يكون عادلاً في ظل ظلم يرى بالعين المجردة.

 

انفجار

البداية في الفيلم (مدته 104 دقائق) مع طفل يرتدي قلنصوة؛ يمشي في شارع، ويقترب من عصفور، وينتهي المشهد مع صوت انفجار كبير، لتنتقل الصورة إلى أصوات صخب ورقص في ملهى ليلي، تخرج منه فتاتان مترنحتان من أثر الشرب، تمسك إحداهما (كلوي) كاميرا تصور الفتاة الثانية (آفا) وتقول لها: «قولي مرحباً فلسطين إلى الكاميرا» تتردد «آفا» فتلح عليها «كلوي» لتستجيب أخيراً؛ وهي بين حالة التردد واليقين.

ينتهي المشهد مع الصباح الذي يبدأ معه كشف هوية الشخصيات المشاركة في الفيلم، فكلوي طبيبة مبعوثة من الأمم المتحدة، لتطبيب اللاجئين الفلسطينيين، تعيش في عمارة سكنية في القدس المحتلة، وجارتها التي كانت معها في الحفل ما هي إلا مجندة «إسرائيلية» تعمل على الحاجز الفاصل بين الخط الأخضر والضفة الغربية.

 

ازدواجية

المشاهد الأولى في الفيلم، من الممكن أن تتسبب في إغلاق التلفاز، بسبب نظرية الشك دائماً في الغرب إذا ما أقدم على نقل صورة عربية، لكن ما أن تعبر الطبيبة كلوي الحاجز حتى تختلف الحكاية، فهي التي تركت بلدها كي تقوم بواجب إنساني تجاه اللاجئين الفلسطينيين، في مخيم برام الله، في مشفى خاص للمرأة والطفل، علاقتها جيدة مع مرضاها، خصوصاً مع «رند» الحامل في شهورها الأخيرة من زوجها المعتقل والمحكوم بالمؤبد، لكن قدرة الطبيبة على الفصل بين منطقتين، بين ضحية وجلاد، بين مجندة «إسرائيلية» ولاجئة يضع علامات استفهام كبيرة، لا تتضح إجابتها إلا في المشاهد الأخيرة من الفيلم. فهي توضح دائماً أن مهمتها إنسانية، وهذه الحرب ليست حربها، لكنها تسعى إلى أن تكون جزءاً من معاناة من يحتاج إلى نصائحها الطبية؛ لاسيما من النساء.

 

جدار ومستعمرات

تمر كلوي كل يوم برفقة رند بمكان يعج بالقاذورات، يلقيها سكان المستعمرات كي يستمتعوا بمنظر الأطفال الفلسطينيين وهم ينقضون على قمامتهم، يحاولون البحث عن لعبة أو قلم أو حتى حذاء، تجلس كلوي تراقب رند والأطفال الذين ينظرون إليها بطريقة ندية تجعلهم يسخرون منها حيناً، ويقتربون منها حينا، مع محاولاتها الدائمة لبناء علاقة معهم. وفي مشهد مضحك لطفل فلسطيني لم يتجاوز الثامنة من عمره، يقف فوق سلم محاذٍ لمنطقة الخط الأخضر ويمثل أنه يتحدث مع الرئيس «الإسرائيلي» من خلال حذاء يقول له «آلو مرحبا انت رئيس دولة (إسرائيل) المحترم، ويبدأ بالاستهزاء به وشتمه ويسأله عن أصله وفصله»، وبعد أن يسمع ضحكات كلوي يقوم بإلقاء الحذاء على وجهها، فتقوم بدورها بإكمال المحادثة مع رئيس «إسرائيل» من خلال الحذاء، ومن هنا تبني علاقة مع هذا الطفل تحديداً الذي يناكفها في مشاهد عدة، جميعها تجتمع بين جزء من الجدار وقاذورات المستعمرات. هذا المشهد تحديداً جاء بعد قضاء كلوي ليلة كاملة في منزل رند، بعد حظر للتجول، ومن خلال هذه الليلة اقتربت كثيراً من معاناة عائلة فلسطينية لاجئة تحلم يوماً ما بالعودة إلى ديارها، تتعرف إلى شقيق رند (فيصل) صاحب مطبعة مختصة في تصميم ملصقات الشهداء، وتتعرف إلى شقيقها الصغير (صافي) الذي لا يخلع بزة سوبرمان عنه طوال مدة الفيلم.

 

حجارة ومصفحات

في المكان ذاته، بين جزء من الجدار وساحة ممتلئة بقاذورات المستوطنين، يلهو الأطفال ويضحكون، ضحكاتهم تملأ المكان، تزعج سكان المستوطنات الذين يطالبون بدوريات مصفحة لتخلصهم من صوت هذه الضحكات الطفولية، كلوي كانت حاضرة، تتحدى طفل «الحذاء الهاتف»، لكن لعبتهم أنهتها عجلات المصفحة، واستشهد الطفل أمام ناظريها، ودماؤه غطت ملابسها، هي الطبيبة المعتادة على لون الدم، لكن لون دم هذا الطفل لم يكن يشبهه لون، هو لون الظلم والذل والاستهانة بحقه في الحياة، ومن هنا تتغير كلوي نهائياً، وتقرر أن هذه الحرب حربها، تمشي في جنازته وهي هائمة على وجهها، تعابير مجمدة من هول الصدمة التي عايشت تفاصيلها، تقرر العودة إلى بيتها في القدس المحتلة، وتلبي دعوة إلى تل أبيب مع جارتها وصديقتها المجندة، وتقرر أن تسهر وترقص وتشرب، في محاولة للنسيان، فتنام أمام البحر لتستيقظ على صوت رند التي بدأ مخاضها.

 

ولادة وموت

تستيقظ كلوي على رنين هاتفها، لتدرك أن مريضتها وصديقتها رند في مخاض، لكنها ليست قريبة منها، فهي في «تل أبيب» والمسافة بعيدة، فتحاول جاهدة الوصول إليها، وتصل لترى الحاجز مزدحماً، وقرار من الجنود الإسرائيليين بعدم السماح لأي شخص بالمرور، فتضطر إلى إجراء الولادة في الشارع، وبعد قدوم المولود، تقوم به إلى الحاجز لتقنع المسؤول الإسرائيلي بضرورة تمريرها لمعاينة الطفل، لكنه رفض، فيموت الطفل بين يديها، فتصاب بحالة من الصدمة التي تجعلها لا تؤمن بالحياد، خصوصاً إذا كانت لغة الموت هي السائدة، ومع نظرات العتاب من قبل رند لها وتحميلها المسؤولية على فقدان طفلها بسبب تأخرها، يزداد حنق كلوي على الكيان، بعد أن أقرت أنه ليس وطناً، بل عبارة عن مكان مملوء بالحواجز الكثيرة، وما حدث ليس تصرف وطن راسخ، فهي ترقص وتسهر، وتعيش حياة مرفهة، لكن شعور الوطن شعرت به من ليلة واحدة عاشتها في بيت لاجئين، كل هذه المعاني تتضح في تصرفاتها وإصرارها على الانتقام من موت طفلين أمام عينيها وبين يديها، فتقوم بتهريب متفجرات في الحاجز الذي تعمل فيه صديقتها المجندة، وتنجح، ليأتي المشهد الذي بدأت به المخرجة فيلمها.

وبعد مشهد صوت التفجير، يأتي صوت الفتاة التي نفذت العملية، وما هي إلا رند التي تقول «هم من أوصلونا إلى تفخيخ أجسادنا؛ أن أموت كريمة أفضل من أعيش ذليلة، نحن أصحاب حق يموت على شكل أطفالنا وهم في بطوننا وأمام أعيننا، إن شاء الله سنلتقي في الجنة»، لينتقل المشهد إلى صافي (شقيق رند الصغير) الذي لم يخلع بزة سوبرمان طوال الفيلم، وهو يجلس أمام الجدار يفتح فيه ثقباً صغيراً، يشاهد من خلاله كل عمليـــــات العار التي يرتكبها الكيان.

شخصية (رند) التي أدتها الفنانة الفرنسية من أصل مغربي صابرين وزني، على الرغم من عدم اتقانها اللهجة الفلسطينية، إلا أنها استطاعت أن تنقل معاناة المرأة الفلسطينية المتزوجة بمعتقل في سجون العدو وحالة كيف تكون لاجئاً.

تصريح

 

من المشاهد المؤلمة في فيلم «إن شاء الله»، وبعد العلاقة الوطيدة التي جمعت كلوي مع عائلة صابرين، تقرر أن تحقق كلوي حلم والدة رند في زيارة بلدها وبيتها في الخط الأخضر، فتسعى كلوي إلى إقناع صديقتها المجندة بإصدار تصريح للزيارة، مؤكدة أنها ستتحمل المسؤولية كاملة إذا حدث شيء، وبعد أن تصل الأم إلى مكان بيتها تراه مهدماً، فتصرّ على استرجاع ذاكرتها، وتحكي لأبنائها أين كانت تنام وأين الحمام وأين المطبخ، تفاصيل دقيقة لا يستطيع المحتل أن يكون جزءاً منها. والمشهد المرتبط بالحاضر عندما انتفض ابنها فيصل وأصر على العودة إلى المخيم، فالبيت تهدم، والذكريات الموجودة في عقل الأم يفاوض عليها الساسة، والقهر تجلى، فرؤيتهم لأرضهم تحتاج إلى تصريح.

الحذاء

 

في مشهد مضحك لطفل فلسطيني لم يتجاوز الثامنة من عمره، يقف فوق سلم محاذٍ لمنطقة الخط الأخضر، ويمثل أنه يتحدث مع الرئيس الإسرائيلي من خلال حذاء يقول له «آلو مرحبا أنت رئيس دولة (إسرائيل) المحترم، ويبدأ بالاستهزاء به وشتمه ويسأله عن أصله وفصله»، فيسمع ضحكات كلوي.

للإطلاع على الموضوع كاملا يرجى الضغط على هذا الرابط.

طباعة