فيلم شادي عبدالسلام يعود إلى الواجهة على رأس «كتاب دبي السينمائي»

«المومياء».. كم جثة أكلنا مـنها خبزاً

فيلم «المومياء» مشغول بجماليات ولوحات تشكيلية وهموم قديمة جديدة. من المصدر

أن تعود إلى مشاهدة فيلم مرّ على إنتاجه أكثر من 40 عاماً، وأنت تعيش زمن التقنية الثلاثية الأبعاد، لن تكون المرة الأولى على ما يبدو، خصوصاً مع ترشيحات كتاب مهرجان دبي السينمائي لـ100 فيلم عربي، الذي كشف عنه المهرجان أخيراً، وسيصدر في افتتاح الدورة العاشرة من «دبي السينمائي» التي تنطلق في السادس من الشهر المقبل.

يأتي الكتاب الذي أعده الناقد السينمائي زياد عبدالله، لينعش ذاكرة محبي «الفن السابع» وعشاقه، إذ أبرز حسب 475 مختصاً ومهتماً بالشأن السينمائي أهم 100 فيلم عربي، وجاء فيلم المخرج المصري الراحل شادي عبدالسلام «المومياء» الذي اختلف النقاد على تحديد سنة إنتاجه؛ ليتربع على قمة القائمة، وليعود الفيلم إلى الواجهة بجمالياته، ولوحاته التشكيلية المتميزة، وكذلك حول الهموم التي يثيرها، وحكاية شاب رفض أن يعتاش على جثث الأجداد، معلناً بتمرد: كم جثة أكلنا منها خبزاً.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجي الضغط علي هذا الرابط.

الحكاية

«المومياء» الذي تؤدي الحكاية فيه دور البطولة المطلقة، مع فنانين ظهورهم كان تعبيرياً أكثر منه أدائياً كالفنان أحمد مرعي، والفنانة نادية لطفي وغيرهما، بسبب أن الحكاية المرتكز عليها الفيلم حدثت بالفعل مع بشر من لحم ودم، كان لهم السبق في تهريب الآثار الفرعونية خارج حدود مصر، وتوارثوا مهنة التجارة بتلك الآثار لخمسة أجيال متتالية، لكن الحقيقة أن الوعي ينمو من جيل إلى آخر، وهذا ما حدث مع «ونيس» الوريث الوحيد لشيخ الجبل «سليم الذي ينتمي إلى عشيرة الحربات»، والذي تركه وشقيقه الأكبر مع سر العائلة، وحين رفض الشقيق الأكبر أن يعتاش على جثث الفراعنة، قتله أعمامه، فظل ونيس وحده يقاوم الفكرة، بذكاء تارة، وبعاطفة تارة أخرى، فهو الشاب المنتمي لكل من يسكن الجبل والوادي في منطقة طيبة، ولا يرضى إلا بالعدل.

إحياء الموتى

بداية الفيلم كانت أقرب إلى الاجتماعات السرية التي تتلى فيها نصوص مقدسة، فثمة رجال يرتدون زياً ما كان يطلق عليه «لباس الأفندية» مع طرابيشهم، يتحاورون بعد قراءة مقتطفات من كتاب «الموتى» حول إيجاد طريقة ناجحة لوقف تهريب الآثار، مؤكدين أن عائلة واحدة هي المسؤولة عن كل الآثار الموجودة خارج مصر، ومن ضمن تلك المقتطفات: «لك الخشوع يا رب الضياء، أنت يا من تسكن في قلب البيت الكبير، يا أمير الليل والظلام، جئت لك روحاً طاهرة، فهب لي سكينة يوم تتثاقل السحب وتتكاثف، أعط اسمي في البيت الكبير، وأعد إلى الذاكرة اسمي»، ومع هذه التعويذة المقرونة بقدرتها على إيقاظ الموتى حسب الأساطير بدأت حكاية فيلم «المومياء»، ليقرر بعدها أحمد كمال أفندي الذهاب بنفسه إلى طيبة؛ كي ينهي عمليات تهريب الآثار.

قبر وسر

في هذه الأثناء ينتقل المشهد من داخل غرفة الاجتماعات المعتمة، إلى منطقة فسيحة لا تسمع فيها سوى صوت الريح وبعض نواح على شكل ترنيمة، وتشاهد قبوراً بيضاء متراصة، حولها تماثيل فرعونية كعواميد لا سقف لها، مشهد له علاقة بالروحانيات والتجلي، ينقصه رجل صوفي يرقص بتنورته ويدور، صاحب هذا القبر الذي تنوح حوله السيدات، ليس أي قبر، فهو لشيخ الجبل الذي مات وترك خلفه شابين، يواجهان مصيراً لم يلمساه سوى عندما كشف السر، فبعد الدفن، قام الأعمام من عشيرة الحربات بأخذ الوريثين إلى طرق متعرجة في قمة الجبل، مع مقدمة حوارية مقتضبة حول السر الذي يعد الميراث الوحيد الذي تركه الوالد، يمشيان ببطء ويختبئان إذا ما سمعا صوتاً غريباً، وهنا تظهر الإشارة الأولى لشخصية ونيس، إذ قال «أشعر بالضيق، فالاختباء مذلة»، يستمر الأعمام بقيادة الوريثين إلى أن يصلا إلى غرفة مملوءة بالتوابيت الفرعونية، يطلقون عليها «الدفينة» كمصطلح سري بينهم، لكنها دفينة تحمل مصر كلها في عيونها المحنطة.

الرفض والموت

يرفض الشقيق الأكبر أن يستمر في ما أطلق عليه تجارة الموت، يتحدى أعمامه، ويتواجه مع شقيقه الذي كان يسترق السمع إليهم في حضرة والدتهم «سيدة الدار» المثكلة على فقدان زوجها، والمتفاجئة من ابنها الأكبر الرافض للورث، التي لم تنتفض إلا عندما اتهمه أعمامه بعدم التربية «أنا التي ربيتهم»، لكن هذه الانتفاضة لم تجعلها تقف إلى جانب ابنها البكر عندما خرج الأعمام مقهورين، ووصفته بالملعون الذي دنس اسم والده في داره، وطردته، فالتقت عينا الشقيقين، ومناجاة من الصغير (ونيس) بأن الحمل كبير، ولا يستطيع المضي فيه، ينصحه الشقيق الأكبر بالهرب معه، إلا أنه يرفض، ويقرر تحدي هذا السر المرتبط بالمصير.

يقتل الشقيق الأكبر على يد رجال أعمامه، فالسر أغلى من روح أي فرد من العائلة، حسب وصف كبيرهم.

المواجهات

تمر شخصيات قليلة في الفيلم، تترك أثرها وتختفي، مثل شخصية مراد، صبي التاجر أيوب الذي يشتري الآثار من عائلة الحربات ويبيعها، مراد يريد التمرد على معلمه، بوجود الوريث الشاب، يحاول إقناعه، بكل السبل بالثقة فيه، حتى إنه يأتي إليه بزينة الفتاة الجميلة، فهو يشتغل أيضاً في التجارة الجنسية لشباب الجبل، إلا أن الحيرة في رأس ونيس، ورفضه التام لما يجري من حوله من تجارة الجثث، تمنعه دائماً من الانصياع، خصوصاً في الوقت الذي تزامن مع بعثة «الأفندية» لمراقبة سكان الجبل وتحركاتهم، وفي جملة قالها رئيس الأفندية للعريف الذي أكد له أن وجوده لن يجدي، فأجابة أحمد كمال أفندي «أن تعرف مواضع قوتهم هو الذي سينجح الخطة، فأنا سأظل هنا، وهم في النهاية يريدون المال فسيتحركون».

مواجهتان في الفيلم كانتا كفيلتين بإنهاء كل اللبس في دماغ ونيس الذي كان يردد دائماً «كم جثة أكلنا منها خبزاً»، ويعود في ذكرياته مع شخصية الغريب التي ظهرت أيضاً الذي يسأله عن علاقته مع الفراعنة وكيف لا يخاف منهم فيجيبه «كانوا رفاق طفولتنا، هم الذكريات الجميلة التي قد تمنع الكارثة»، فيلمح امرأة ويتبعها لتوصله إلى إحدى المغارات التي تكون فيها المواجهة مع مراد على معلمه أيوب، ويرى أبناء عمه الذين يوبخونه على تقاعسه، ويحاولون إغراءه بالمال الوفير، يتركهم ليلحق بالوسيط الذي سيسلم مجسماً لقلادة عين ذهبية إلى أيوب، يواجهه ويقتلع القلادة منه، ويصرخ «هذه التجارة لن تستمر بعد اليوم»، فيرد عليه أيوب «كل ثروة قبيلتك الجائعة من جيبي أنا، واليوم وبسبب تمردك سأعلن الجوع لقبيلتك»، ويضربه ويلقيه أمام الواحة المائية.

يفيق من غيبوبته مهترئ الثياب وملطخ الوجه ويقرر هذه المرة الذهاب الى أحمد كمال أفندي. يقف أمامه بمنظره الرث، ويسأله «لماذا أنت هنا؟» فيجيبه «لأنني أبحث عن قبور لعائلة فرعونية»، فينتهي المشهد مع أحمد كمال أفندي، وهو وفريقه في داخل المغارة التي تحوي الدفينة، ليفاجأ بأن التوابيت المتواضعة الموجودة تعود إلى ما بين 17 إلى 21 عائلة، وتوابيتهم الذهبية تمت سرقتها قديماً، فتبدأ عملية إخلاء المغارة من التوابيت، ونقلها إلى باخرة قاصدة القاهرة، ويعايش المشاهد أسماء أصحاب توابيت كأحمس الأول وسيتي الأول ورعمسيس الثاني وغيرهم.

40 تابوتاً محمولاً على أكتاف من تطوع من أهل الوادي، إلى جانب العناصر الأمنية، إلى أن تمر تلك التوابيت من أمام عائلة الحربات التي بات كل فرد فيها يعرف السر، فينقلبون على كبار العشيرة، مؤكدين أنهم لن يأكلوا على حساب الموتى.

وينتهي الفيلم بصوت الباخرة وهي تمضي دون ذكر هل وصلت إلى بر الأمان أم إلى يد تاجر آخر، بمشهد تشييع وكأنه الحياة، يختتم مع ونيس يمشي بخطوات توازي تهادي الباخرة فوق الماء، وكأن لعنة كل الموتى الذين تاجر بهم والده وعشيرته رحلت عنه فأصبح حراً، وكُتب الشاشة: يا من تذهب سوف تعود.. يا من تنام سوف تصحو.. يا من تمضي سوف تبعث.

طباعة