ممثل مصر في ترشيحات الأوسكار

« الشوق ».. يستعـيد جماليات الواقعية

صورة

تضرب الأمكنة حصاراً على سكانها، وعلى شيء من اللعنة التي تمنعهم من الخروج منها، وإن كان هذا الخروج ولادة جديدة. قد تكون الولادة متعثرة أو مجهضة أيضاً، بما يجعل من الاستسلام للمكان أمراً أكثر سهولة واستكانة.

هنا سيحضر المكان بوصفه صاحب السطوة الكبرى على من يقطنه، وهو الذي يقرر الأخلاقيات والمعتقدات والتقسيمات، وهنا يمكن الحديث عن القرية والحارة والحي العشوائي وغيرها، وبالتالي فإن على الساكن فيها أن يتطبع بما يسودها، وعلى شيء من اتباع للأعراف التي تسري في اتفاق غير متفق عليه بين السكان.

فيلم المصري خالد الحجر «الشوق» الذي عرض في الدورة الثالثة من مهرجان الدوحة «ترابيكا» التي انهت عروضها السبت الماضي، رغم إعلانه سحبه يوم ختام المهرجان، والحائز الجائزة الكبرى في الدورة 34 لمهرجان القاهرة ومرشح مصر هذا العام للأوسكار، يأتي مما تقدم، وعلى شيء يقول لنا ذلك مع اللقطات الأولى من الفيلم التي جاءت متوسطة الطول وأحياناً طويلة، بما يشبه تعريفنا بسكان حي عشوائي في مدينة الاسكندرية، هناك من تفتح شباك بيتها، وذاك الأعمى الذي يجري التركيز على أذنيه، بينما يخرج أحدهم ويفتح دكانه بينما ينتفض شاب من مكانه ويخرج له كرسياً ليجلس إليه، وصولاً إلى من ينال رخصة تتيح له فتح دكان من بيته، وغير ذلك مما يقول لنا من البداية إننا حيال مجموع بشري سنتابع العلاقات المنسوجة بينه في حيز مكاني يشغل النطاق الذي تتحرك فيه الكاميرا بداية.

بالانتقال إلى عائلة شوق فإننا سنكون أمام مرتكز الدراما في الفيلم سنتعرف الى أم شوق (سوسن بدر) التي ستكون الشخصية الرئيسة في الفيلم، وزوجها «سيد رجب» الذي يعمل في تصليح الأحذية، إضافة إلى شوق (روبي) وأختها عواطف (كوكي)، بحيث سيمسي ما يصيب تلك العائلة معبراً إلى جميع المحيطين بها.

قبل المضي مع أحداث الفيلم يجب التنويه بأن شخصيات الفيلم مرسومة بحرفية عالية، ولها أن تكون على قدر كبير من التميز والخصوصية، بحيث تمسي الثانوية منها مماثلة في حضورها ومزاياها الرئيسة منها، فلكل شخصية ما يبقيها ماثلة في الذهن، حتى وإن كانت شخصية أم شوق هي الأكثر حضوراً وخصوصية، فأم شوق تقرأ الفال، تطحن البن وتخلطه بالقمح، فطعم القهوة ليس مهماً أمام قراءة الفنجان، وتتحول إلى شخصية هستيرية متى استفزها شيء، وقد تكون نوباتها تلك مبنية على أسس واهية، فهي سرعان ما تفقد أعصابها وتبدأ بطرق رأسها بالحائط خلفها، وعلى إيقاع متواصل، كما لو أنها تصبح في مكان آخر وهي تصرخ «يا ولاد الكلب»، ولولا حضور جارتها ووضع وسادة خلف رأسها لبقيت كذلك إلى أن ينزف رأسها وتموت.

هناك في المحيطين بها من على صراع مع ابنها الذي سرعان ما يترك البيت ويغادر الحي بينما أمه تعيش شهواتها غير المحققة، كون زوجها أصيب في الحرب، وهو غير قادر على تلبية احتياجاتها العاطفية، هذا الشاب سيكون على علاقة حب بعواطف، لكنه سرعان ما يتخلى عنها أيضاً بوصفها تنتمي لهذه الحارة «اللعينة» التي يريد تركها بأي شكل، بينما تكون شوق على علاقة حب مع حسين (أحمد عزمي) والذي يعمل في دكان والده وينتظر تعيينه الحكومي، بعد أن أنهى دراسته الجامعية، ولعل هذه العلاقات تكون بمنتهى البراءة والحلم إلى أن يتغير كل شيء.

نقطة انعطاف الفيلم الرئيسة ستكون مع مرض أخي شوق الصغير بالفشل الكلوي، ومسعى أم شوق ووالدها إلى توفير المبلغ اللازم لغسل الكلى، الأمر الذي ينجحان فيه أول مرة، إلا أن الفشل سيكون من نصيب المرة الثانية، ما يؤدي إلى موته، وللدقة فإن أم شوق تنجح في جمع المبلغ المطلوب، لكن تتأخر في ذلك، فهي تكون من عائلة غنية تعيش في طنطا وقد كانت قد هربت في شبابها مع زوجها الحالي، ولم ترَ أفراد عائلتها من حينها. حين تذهب لطلب المال منهم تعدل عن ذلك، ولا تجد نفسها إلا في قطار متوجه إلى القاهرة، وهناك ستكتشف أن بمقدورها جمع مبالغ لا بأس بها من المال من التسول، وهي تقول عبارة واحدة فقط «الولد بموت»، ولتواصل ذلك بعد وفاة ابنها أيضاً.

لن أواصل مع الأحداث، لكن يجب العودة إلى الخروج من الحي الذي بدأنا به، حيث خروج أم شوق من الحي الاسكندراني إلى القاهرة، وغيابها عنه فترات طويلة، سيضعها في مسار آخر، ستسعى للسيطرة على سكان الحي عبر معرفتها بنقاط ضعف كل واحد منهم وحيواتهم السرية، وعندما لا يتوافر ذلك فإنها ستلجأ إلى المال، وستلعب دور المهيمن على الحي، لكن هذه الهيمنة ليست مهمة أمام تعريتها لكل شخصية على حدة، ووضع كل فرد محيط بها أمام مرآة لا يستطيع اشاحة وجهه عنها، وفي مسار موازٍ ستلقى ابنتيها مصيراً مغايراً لما كانتا تسيران عليه، خصوصاً بعد رفضها حسين حين يتقدم لخطبة شوق.

جميع الشخصيات واقعة تحت رحمة دوافع خفية، وإن كان لي أن أفكر بالعنوان بوصفه اسم الشخصية التي تجسدها روبي فهذا لن يكون كافياً، إنه الشوق على اعتباره ذلك الدافع الخفي، وهنا هو توق الشخصيات لما تعجز عن القيام به، ولكل شخصية ما تتوق إليه في هذا السياق، بينما يحتوي الحيز الدرامي على بناء واقعي لن يكون المضي نحو نهاية الفيلم التراجيدية إلا أمراً واجباً، في وفاء للواقع، ولعل السمة الأكبر التي تجعل من فيلم «الشوقً فيلماً مهماً هو وفاؤه للواقعية المصرية في أجمل تجلياتها، وانصياعه التام للمصائر التي تبنى للشخصيات دون وصفات جاهزة خارجة من رحم العشوائيات التي أصبحت مجالاً حيوياً لكثير من الأفلام في السنوات الخمس الأخيرة، مع «الشوق»يمكن تلمّس ملامح من واقعية يوسف، وخيري بشارة، وداود عبدالسيد، وعاطف الطيب، في تناغم من بنية بصرية مؤسسة على سيناريو محكم كتبه سيد رجب الذي لعب بأداء مميز دور أبوشوق، إنه فيلم درامي معجون بالواقع.

طباعة