رابع أيام «برلين السينمائي» ثلاثي الأبعاد

عقدة الذنب الألمـــانية ترفض «وادي الـــــذئاب»

فيرنر هيرتزوغ خلال تصوير «كهف الأحلام المنسية». أرشيفية

يبدو أن كلمة رقابة لا تحضر في أوروبا إلا عند الحديث عن اسرائيل، وعلى نحو أكبر في برلين مع عقدة الذنب الألمانية، التي يمكن لها أن تمتد إلى ما لا نهاية حتى وإن كانت ضحية الأمس أصبحت القوة الوحيدة التي مازالت تخلف الضحايا يومياً، وقد كدست من القتلى وشردت من البشر ما يجعلها وحش القرن الـ،20 الذي لم يروضه القرن الـ21 بل زاده وحشية وشراسة.

هذه المقدمة على علاقة مع خبر متعلق برفض عرض الفيلم التركي «وادي الذئاب ـ فلسطين» في سوق الفيلم الأوروبي، الفعالية الأهم المرافقة لعروض الدورة 61 من مهرجان برلين السينمائي، التي يتم من خلاله عقد مئات الصفقات لشراء وتوزيع الأفلام، كما أوردت شركة «بانا» المنتجة للفيلم أنه تم تأخير تقييم الفيلم لعرضه في دور السينما الألمانية بسبب «تعزيزه مشاعر مناهضة اسرائيل» وقد وصفت المؤسسة الألمانية المسؤولة عن ذلك بأن الفيلم «يشكك في شؤون سياسية غير موجودة في الواقع».

مضحكة هذه العبارة الأخيرة، وعلى شيء من افتراض أن تلك المؤسسة ولا أحد غيرها يعرف الواقع وحقائقه، أو أن لجنة تقييم الأفلام من حقها محاكمة المحتوى من هذا الباب هي التي يقتصر دورها على تصنيف الفيلم لا أكثر، في أوروبا وأميركا، وعلى شيء يتناقض مع كل القيم الأوروبية التي تنعدم متى تعلق الأمر بإسرائيل، ولتبدو هنا مثلها مثل اي رقابة عربية بالية.

طبعاً فيلم «وادي الذئاب ـ فلسطين» ليس إلا بجرعة «أكشن» جديدة لها أن تضرب على وتر فلسطين و«قافلة الحرية» وما شهدته السفينة التركية، وسيكون كما توحي معالم كثيرة استكمالاً لما كان عليه «وادي الذئاب» الأول الذي علينا أن نضيف عليه العراق، وقد انتج عام 2006 مقدماً لنا رامبو التركي الذي يأتي مخلّصاً للعراقيين «المساكين»، لكن يمسي المرء إلى جانب الفيلم نكاية بالهلوسات الرقابية السابقة الذكر، وليس لقيمة الفيلم الفنية.

مسرحية راقصة

نترك «وادي الذئاب» ونمضي إلى ما كان عليه رابع أيام مهرجان برلين، الذي يصلح توصيفة بيوم ثلاثي الأبعاد، حيث شهد عرض ثلاثة أفلام ثلاثية الأبعاد ولثلاثة أسماء كبيرة في عالم السينما، الأول فيلم فاندرز الذي قدم فيلماً وثائقياً راقصاً بعنوان Pena «بينا» عن الراقصة بينا باوش، التي يمكن توصيفها بالمسرحية الراقصة، بمعنى أنها كانت تؤلف مسرحيات راقصة، وقد توفيت عام ،2009 وفيم فاندرز كان ينوي تصوير فيلمه عن هذه الفنانة الاستثنائية منذ أكثر من 23 سنة، لكنه كان يؤجله بحثاً عن الكيفية التي يقدم بها باوش، إلى أن استقر على الأبعاد الثلاثة لكن حين أصبح التطور الذي طال هذه التقنية منسجماً مع رؤيته لفن بينا باوش.

مشروع فاندرز كان بأن يقوم بجولة في العالم برفقة باوش ويسألها مجموعة من الأسئلة ويجعلها تجيب عنها رقصاً، وهي الآلية التي تتبعها مع تدريبها الراقصَين الذين تعمل معهما، لكن وفاتها حول ذلك إلى قيام فاندرز بذلك مع الراقصين الذين عملوا معها، والنتيجة أولاً فيلم محتشد بالجمال، سواء عبر المادة التي يوثق لها فاندرز ألا وهي الرقص وأي رقص! إنه عبارة عن احتشاد جنوني بالتعبيرية والرمزية وعلى شيء من التنقل من راقص إلى آخر، وفق مستويين يبني عليهما فاندرز فيلمه، الأول: مسرحي وقد كان له أن يكتفي بذلك، إلا أن علينا ألا ننسى أنه فاندرز وبناء عليه يمسي المستوى الثاني سينمائياً وامتداداً جمالياً ينقل الرقص إلى مواقع تصوير مبنية وفق املاءات ما تقوله الرقصات التي صاغتها باوش، وعلى شيء مما له أن يكون مجموعة متوالية ومتسقة من مساحات جمالية مبنية على هدي «الفيديو آرت» برفقة الرقص والموسيقى والأغاني التي من الصعب توصيفها إلا بمشاهدتها.

فيلم فاندرز يدفعك للسؤال عما تقدمه السينما لفنانة مثل بينا باوش، بمعنى أن تلك الراقصة التي صنعت كل تلك المسرحيات الراقصة الاستثنائية ستجد في الفيلم ما ينقل رقصاتها التي اتخذت من خشبة المسرح منصة لتقديمها إلى الشاشة بحيث تكون متاحة أمام ملايين البشر، وفاندرز يقول «إنه يريد لباوش أن يعرفها من يجهلها»، وقد تحقق ذلك أولاً ويا لها من معرفة!

شعوب بدائية

الفيلم التركي «وادي الـــــذئاب» منع لتعزيزه مشاعرمناهضة لإسرائيل .  أرشيفية

نبقى مع الأبعاد الثلاثة لكن هنا مع فيرنر هيرتزوغ مواطن فاندرز وهو يقدم تجربة وثائقية جديدة لها أن تتحالف وهوس هيرتزوغ بموضوعاته الأثيرة المتعلقة بالطبيعة وعلاقة الانسان بها، وبحثه المتواصل عما يعزز من مملكته السينمائية الأنثربولوجية، والعزلة التي تضع إنساناً على حافة النجاة وتجعله وجهاً لوجه أمام ما يتهدده وهو منزوع من الحضارة، إضافة إلى جوانب أخرى يمضي فيها هرتزوغ خلف الشعوب البدائية ما يشكل ملامح متأصلة في عمله السينمائي لديه هو الذي كان ايضا رئيس لجنة التحكيم في الدورة السابقة من برلين السينمائي.

عنوان فيلم هيرتزوغ Cave Of Forgotten Dreams «كهف للأحلام المنسية» ويوثق فيه هرتزوغ كهفاً تم اكتشافه عام 1994 في شمال فرنسا يحتوي على مجموعة رسوم لها أن تعود إلى ما يتجاوز الـ30 ألف سنة قبل الميلاد، ولتكون هذه الرسوم هي الأقدم على الطلاق، كما أن هذا الكهف مازال غير متاح أمام الجمهور خوفاً من أن يؤثر ذلك في مستويات الرطوبة التي حافظت على هذه الرسوم، الكهف يفتح أمام هرتزوغ ومن غيره يوثقها كما فعل.

في المسابقة

مع الفرنسي ميشل أوكلوت سيكون الحديث عن الأنيماشن الثلاثي الأبعاد هذه المرة، وفيلمه Tales Of The Night «حكايا الليل» حيث الباب سيكون مشرعاً أمام الحكايا التي ينسجها فتى وفتاة، وهي متوالية وفق خيالهما، يقترحان مكاناً وخطوطاً عامة للقصة ثم يجريان بحثاً عن حضارات أوروبية أو إفريقية أو آسيوية، ثم يشكلان نفسيهما في آلة عجيبة ليكونا تجسيداً لمخيلتهما ومن ثم يمضيان في الحكاية، وعليه تتوالى الحكايا الجميلة وفي محاكاة لكل القصص الخيالية والموروث الإنساني في هذا الخصوص، ولتكون هنا التقنية الثلاثية الأبعاد استثماراً جميلاً يمنحنا شعوراً بأن أمام ما كان يعرف بصندوق الدنيا من دون أية مبالغات أو مؤثرات فاقعة، لنا أن نجدها في انتاجات «ورونر براذر»، ومن القصة الأولى التي تعود إلى القرن 15 في أوروبا نعقد اتفاقاً مع الفيلم بأن الرهان هو على الرسوم بخصوصيات تكوينها والبعد الثالث يمنح الصورة عمقاً لا يلغي الرهان على تحالف الصورة المتسق مع الحكاية، أو الحكايا التي يقول أوكلوت بأنه كان يكتبها بين الحين والآخر فإذ به يعرضها على المنتج فيقول «لنصنع فيلماً منها».

إنها المرة الأولى التي يكون فيها فيلم «أنيماشن» في المسابقة الرسمية، ولعل الأفلام الثلاثية الأبعاد كذلك، ويمكن في جردة سريعة على أفلام سوق الأفلام الأوروبي لنرى كم تتزايد الأفلام المصورة بهذه التقنية.

طباعة