ندعوكم إلى مشاهدة ما يصنعه الشباب

عـدي صدام حسين في «برلين السينمائي».. ولا أحد من مصر

«بديل الشيطان » عرض ضمن برنامج «بانوراما». من المصدر

صخب عروض أفلام الدورة الـ61 من مهرجان برلين السينمائي لن يغطي على ما شهدته مصر أول من أمس، خصوصاً أن مسعى القائمين على المهرجان أن يكون ما تحمله على شيء من الاتصال مع العالم واستقراء نبضه، أو كما يقول مدير المهرجان ديتر كوسليك «نحن ندعوكم إلى مشاهدة ما يصنعه الشباب من أفلام»، وأنت بدورك تسأل هل من أفلام ستأتي من «ميدان التحرير»، والإجابة ستكون نعم بالتأكيد، لكن دون أن نعرف إن كان أي من هذه الأفلام سيجد طريقه إلى «برلين السينمائي»، لكن يبقى الآن البحث جارياً عن السينمائيين المصريين هنا في برلين، ولتكون الإجابة الأولية هي التالية: ما من أحد مصري في هذه الدروة من صناع أفلام، أو حتى النقاد، بمن فيهم الناقد سمير فريد المواظب على متابعة المهرجان منذ أكثر من 40 سنة، هذه الإجابة قد تتغير ربما بعدما تحقق رحيل حسني مبارك عن الحكم.

حديث ربما على اتصال مباشر أو غير مباشر بما تشهده هذه الدورة، شيء من أنك ومن اليوم الأول ستقع على خيمة منصوبة في «بوسدام بلاتز» مخصصة للاعتصام للوقوف مع المخرج الإيراني جعفر بناهي عضو لجنة التحكيم المسجون، والتنديد بالحكم الجائر، حيث أكثر من 30 شخصاً قد وضعوا صورة وجه بناهي على وجوههم، كما لو أنهم جميعاً بناهي، وبالتأكيد وليس فقط لما يشكله بناهي وقضيته العادلة، بل لأن الشأنين الإيراني والتركي لن يكونا بغائبين أبداً عن المسابقة الرسمية للمهرجان، وعلى شيء يدفع لاستعادة ما قاله سائق التاكسي التركي الذي أقلني إلى «قصر فردريك» لمشاهدة فيلم رديء بعنوان «بديل الشيطان»، بأن نصف السائقين إيرانيون أو من أصول إيرانية، بينما النصف الآخر أتراك، فهي «ألمانيا» وليست «جيرماني» أو «دوتش لاند» كما هو عنوان فيلم ياسمين سامدرلي ضمن المسابقة الرسمية، كما أن المشاركة الإيرانية ستكون هذا العام مع أصغر فرهادي صاحب «عن ايلي».

«مكالمة عاجلة»ينتمي إلى السينما المستقلة. من المصدر
مشهد من فيلم «الجائزة» الأرجنتيني. من المصدر

وفي متابعة ربط السياسي بالسينمائي، والراهن بما تمثله السينما من رواية تاريخية موازية له تتخذ من الانسان محور رصدها وتوثيقها، فإني وقبل المضي مع عروض المسابقة الرسمية سأتناول فيلماً بعنوان The Devil`s Double «بديل الشيطان» عرض أول من أمس ضمن برنامج «بانوراما» الذي يشكل مثالاً فاقعاً على مدى اصرار مهرجان ممثل برلين أن يكون على اتصال مع شأن سياسي أو تاريخ، وربما على ارتباط مع لا شيء الانطباع الذي يتشكل بعد مشاهدة حجم التفاهة التي يحتكم عليها ذلك الفيلم، الذي يحمل لافتة تسويقية ذات جاذبية تتمثل بأنه عن عدي صدام حسين، وللدقة عن شبيه عدي أي الضابط لطيف يحيى، وليكون الدافع الرئيس لحضور مثل هذا الفيلم هو الفضول للتعرف إلى الكيفية التي قوربت فيها شخصية عدي المريضة خصوصاً أنها المرة الأولى، ولتكون الإجابة متمثلة في أنه إن كانت المقاربات على هذا الشكل فلتكن الأخيرة، كون الفيلم ليس بأكثر من فيلم «أكشن» رديء لكنه عن شخصية حقيقة، تمتزج فيها الوقائع وتختلط، ويمسي الكتاب الذي ألفه لطيف يحيى نفسه المفترض أن الفيلم مأخوذ عنه ليس بأكثر من وثيقة تستخدم وفق متطلبات المخرج النيوزلندي لي تاماهوري، حيث الاستعانة أولاً بما عرف عن عدي من ولعه بالنساء، وليشكل ذلك محور ما يبنى عليه الفيلم، لا بل حتى صراعات لطيف يحيى التي عاشها وهو يتحول إلى بديل يشبه في كل شيء عدي، ستبدو سطحية، وعلى شيء من ردات الفعل الانفعالية، والمواقف المفبركة التي ستأخذه إلى البطولة بمعناها السخيف، ولا شيء يفعله إلا الرفض، ودومينك كوبر الذي جسد الشخصيتين يرطن بالإنجليزية، كونها لغة الفيلم مع ورود خمس أو ست كلمات عربية طوال الفيلم «يلا» أو ما شابه، كما ليقول لنا الفيلم «يلا» لنشاهد مجموعة من المشاهد الجنسية والمطاردات وتبادل إطلاق النار وفق أي فيلم «أكشن» درجة ثالثة مصنوع بارتجال تجاري مملوء بالكليشهات المعدة مسبقاً.

كنت أتوقع أن يكون الفيلم على هذا النحو، لكن ليس لهذه الدرجة، وربما على شيء من الجاهزية التي يستدعيها حضور فيلم يراهن على اسم الشخصية وإشكالاتها التي يقدمها، الجاهزية التي يجب رفع درجاتها أكثر، ربما يجعلنا هنا ننتقل إلى أفلام المسابقة التي عرضت أول من أمس، وليكون أولها فيلم El Premio «الجائزة» الذي نضعه بعيداً جداً عن رداءة لي تاماهوري، ولنكون أمام فيلم للمخرجة الأرجنتينية باولا ماركوفيتش في تجربتها الروائية الطويلة الأولى، وعلى شيء يجعل من فيلمها الذي يروي قصة فتاة وأمها في مكان ناء وبيت على شاطئ بحر مهجور تتلاعب فيها الرياح، ولا شيء من شروط الحياة متوافرة فيه، إنهما هاربتان من شيء ما، سرعان ما يتبدى ويتضح أن الفيلم الجميل هو عن الديكتاتورية، عما كانت تعيشه الأرجنيتن في أواخر ستينات القرن الماضي، حيث الحكم العسكري، وهنا يحضر السؤال عن الكيفية التي قدمت فيها ماركوفيتش ذلك، والإجابة بالتأكيد تكمن في الفيلم الذي يضعنا مع حياة تلك الفتاة التي لم تتجاوز السابعة من عمرها وإدارة تمثيلها المدهشة، بحيث نكون أمام فيلم موهوب لمساحاتها الخاصة التي تخترعها رغم الهرب وخوف أمها وقلقها على والدها المطارد الذي انقطعت أخباره تماماً.

يكفي أن تشارك الفتاة بمسابقة خاصة بالجيش الأرجنتيني يقيمها للطلاب ليكتبوا عن الجيش حتى نعرف كل شيء، إنها ستكتب «أنا أكره الجيش، لقد قتل ابن عمي وهو يعزف على البيانو، وهناك طلقات اخترقت البيانو»، لكن هذه الورقة سرعان ما يتم استبدالها بكتابة أخرى عندما تعلم أمها أنها كتبت ذلك، وتنال جائزة أفضل نص كتب عن الجيش الأرجنتيني.

هذا المرور السريع لن يمنعنا من العودة إلى فيلم ماركوفيتش لاحقاً، ولننتقل الآن إلى فيلم الأميركي جاي سي شاندر Margin Call «مكالمة عاجلة» ولا أعرف إن كانت هذه الترجمة دقيقة لعنوان الفيلم لكن الفيلم يدور حول مكالمة مصيرية، ومعبراً كاملاً نحو أخلاقيات المؤسسات الرأسمالية الكبرى، حيث يكون هذا الفيلم المنتمي إلى السينما الأميركية المستقلة سرداً مكثفاً ومتسارعاً حيال الأزمة الاقتصادية، وهو من البداية لن يمهلنا ونحن نشهد طرد الموظفين، وأولهم مدير مهم يكون في منتصف إنجاز شيء مهم، الطرد الذي لا يمهله سوى بضع دقائق لجمع متعلقاته الشخصية والمضي وقطع كل شيء عنه، وليكون هذا الذي كان ينجزه ذاك المدير غاية في الأهمية، واكتشاف ذلك سيضع الشركة أمام الإفلاس أو النجاة بتدمير كل شيء.

الفيلم مصنوع ضمن 10 أو 15 موقع تصوير تقريباً، وله أن يقول كل شيء بخصوص ما تقدم والكيفية التي تدار بها الأزمات وبمشاركة كل من كيفين سبايسي وجيرمي ايرون وديمي مور، وهو الفيلم الأول لشاندر كما هي الحال مع أفلام كثيرة أخرى لها أن تضع «برلين السينمائي» تحت لافتة الاكتشافات.

طباعة