عثر عليها قرب حاوية قمامة.. والنيابة قررت إيداعها «دبـــــي للنساء والأطفال»

«البلوشي» يطالب بحـــضانة طفلة رعاها 30 شهراً

البلوشي بكى عندما تذكر الطفلة "ريم" . تصوير : يوسف أحمد

سمع المواطن محمد سرور البلوشي، (65 عاماً) صوتاً ضعيفاً صادراً بالقرب من حاوية قمامة في حديقة القصيص، أثناء تنزهه مع زوجته وأسرته في الحديقة، ودفعه الفضول إلى معرفة مصدر الصوت، وفوجئ بأن صاحبة الصوت رضيعة لا يتجاوز عمرها يومين قرر أهلها التخلص منها بهذا الشكل.

لمشاهدة الفيديو يرجى الضغط على هذا الرابط

وقال البلوشي إنه بدافع الأبوة قرر تبني الطفلة وأطلق عليها اسم (ريم) وضمها إلى أولاده الخمسة، متابعاً «أبلغت مركز الشرطة في ذلك الوقت، وتم تسجيل بياناتنا، وبعد مرور شهرين ونصف تم استدعاؤنا لأخذ أقوالنا، ثم بعد ستة أشهر طُلبنا مرة ثالثة، وتكرر الأمر بعد سنة من احتضانها، وعاشت الطفلة معنا مثل أبنائي، وبعد عامين ونصف (30 شهراً)، فوجئنا بقرار النيابة العامة بإيداع الطفلة مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال، بسبب عدم ملاءمة مسكني».

جريمة جزائية

أفاد النائب العام لإمارة دبي، المستشار عصام الحميدان، بأنه «يتعين على أي شخص يعثر على طفل مجهول الأبوين أن يبادر بتسجيل بلاغ جنائي لدى أقرب مركز شرطة، وخلاف ذلك يعتبر جريمة جزائية». وأشار إلى أنه كلما تقدمت أسرة لاحتضان طفل تتولى النيابة التحري عن حالة الأسر من جميع النواحي، من أمور المسكن وملاءمة تربية الطفل، وغيرها، من خلال زيارات ميدانية وشخصية ومعرفة ظروف البحث، على اعتبار أن القانون كفل حقوقاً للطفل اللقيط ومنحه الجنسية في حال العثور عليه داخل أرض الدولة. وتابع «بعد التأكد من أن حالة الأسرة جيدة لاحتضان الطفل، تكتب النيابة رأيها بأنه لا مانع لديها، ويتم كتابة إشهاد بذلك لدى محاكم دبي بالتنسيق بين القسم المختص في نيابة الأسرة والأحداث في دبي». ولفت الحميدان إلى أن دور النيابة لا ينتهي عند تسليم الطفل إلى الأسرة الحاضنة، بل تتولى تنظيم زيارات ميدانية ومفاجئة للأسر الحاضنة للاطمئنان على الطفل.

وتفصيلاً، روى البلوشي القصة قائلاً، إنه قبل نحو عامين ونصف كان يتنزه مع أسرته في حديقة القصيص وسمع صوتا ضعيفا يشبه مواء القطة بالقرب من حاوية قمامة، وأدركت زوجتي حين دققت السمع أن الصوت ربما يكون لرضيع يبكي.

وأضاف: «اتجهنا إلى مصدر الصوت مباشرة وفوجئنا برضيعة ملفوفة في قطعة قماش وموجودة داخل صندوق صغير من الكرتون، وكانت في حالة إعياء شديدة فحملناها إلى المنزل واعتنت بها زوجتي، ثم أخذناها إلى مركز شرطة القصيص وحررنا بلاغاً بالواقعة».

وتابع أن المركز اتخذ إجراءاته الطبيعية وقرر إجراء فحوص مخبرية لي ولزوجتي حتى تأكد أن الطفلة ليست ابنتنا، ومن ثم حرر بلاغاً وأعاد لنا الطفلة حتى نعتني بها لحين انتهاء التحريات في الواقعة والبحث عن أبويها.

وأكد البلوشي أنه لم يدخر جهداً في العناية بالطفلة، واعتبرها هو وزوجته مثل أبنائهما وفحصها طبياً وعالجها حتى تعافت تماماً، وصارت تعتبره أبيها وزوجته أمها وأبناءه أشقاءها الذين كانوا يعاملونها بالمثل، وتعلقت الأسرة بالطفلة.

قرار النيابة

وأشار إلى أنن فوجئ قبل أسبوعين بقرار النيابة العامة بتسليم الطفلة إلى مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال، وحاول دون جدوى مراجعة القرار وعرض تمليك الطفلة نصف منزله حتى تبقى معهم، وقوبل طلبه بالرفض، لافتاً إلى أن منزله بسيط يتكون من أربع غرف في منطقة البرشاء، وريم تنام مع زوجته.

وقال البلوشي لـ«الإمارات اليوم» «أنا رجل طاعن في السن، وحرماني من هذه الطفلة أثر فيّ صحياً وتمكن المرض مني حتى صرت لا أستطيع المشي، كما أصيبت يداي برعشة دائمة منذ فراق ريم»، معرباً عن أمله في مراجعة القرار وإعادة الطفلة إلى الأسرة التي باتت تعتبرها جزءاً منها.

وأشار إلى أنه كان يعمل في إحدى الدوائر الحكومية في الدولة مدة 35 عاماً ويتقاضى راتبا تقاعديا 12 ألف درهم، ولديه متجر صيانة، فضلاً عن أنه يعمل مندوباً لدى إحدى الشركات.

وأضاف وهو يبكي «عند تسليم الطفلة إلى النيابة كانت تقول لي: بابا يللاّ بنسير البيت، ما أحدث جرحاً عميقاً في نفسي، وأصبت بصعوبة في تحريك يدي ورجلي، والعائلة كلها تُعاني فراق ريم».

من جانبها، أفادت المدير التنفيذي لمؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال، عفراء البسطي، بأن المؤسسة تنفذ قرارات النيابة أو الشرطة وليس لها علاقة بالوضع القانوني للأسرة، لأن القضاء هو جهة الفصل في الحالة.

تعقيدات كبيرة

وقالت البسطي إن إيواء رضيعة عثر عليها في الشارع دون إبلاغ الشرطة في الوقت المناسب يعد خطأ كبيراً، مشيرة إلى أن الأسرة الحاضنة كانت ستواجه تعقيدات كبيرة حين تبلغ الطفلة سن التمدرس والأسرة ليس لديها مستندات تثبت نسبها.

وأضافت أن هناك اشتراطات أخرى قانونية يجب استيفاءها حفاظاً على مستقبل الطفل اللقيط، منها سن الأب والأم الراغبين في تبنيه، إذ لا يسمح لكبار السن بذلك، فضلاً عن أنه يجب التأكد من الوضع المادي للأسرة وقدرتها على تحمل نفقات الطفل، خصوصاً إذا كانت تتكون من عدد كبير من الأفراد.

وأشارت إلى أنها تقدر الحالة الإنسانية للأب، لكن في الوقت ذاته تسعى جميع الجهات المختصة إلى توفير حياة مناسبة للطفلة على المدى البعيد، لذا تحرص على التأكد من أن الفتاة لن تتعرض لمشكلات مستقبلاً.

وتابعت البسطي، أن هناك أمراً آخر مهماً ربما تغفل عنه الأسرة، وهو قيام الجهات المختصة بالبحث الجاد عن أم الطفلة الحقيقية، موضحة أن الطفلة ستظل موجودة في المأوى لحين فصل القضاء في الحالة وتحديد الوضع الأنسب لها.

إلى ذلك، صرّح النائب العام لإمارة دبي، المستشار عصام عيسى الحميدان، لـ«الإمارات اليوم»، بأن «تقارير دراسة حالة الأسرة الحاضنة من جهتين حكوميتين توصلت إلى أنه لا يجوز مواصلة احتضان الطفلة بسبب أن البيئة غير ملائمة لاحتضان الطفلة».

وقال إن «الحاضن تجاهل إبلاغ السلطات وقت العثور على الطفلة، ولو فعل ذلك لما وصل إلى النتيجة الحالية بصعوبة فراقها»، مؤكداً أن «النيابة تفهماً للوضع قررت وقف اتخاذ أي إجراء قانوني أو قضائي ضدّه، وحلّ المسألة بشكل ودّي».

وعن تفاصيل الواقعة، أوضح الحميدان أن «الحاضن لم يقم بإبلاغ الشرطة فور عثوره على الطفلة، وعندما وصلت المعلومة إلى النيابة لم يكن هناك إبلاغ سابق، وكان الاحتضان بعيداً عن أعين السلطات، وفي الوقت الذي تُعنى النيابة بمصلحة المجتمع وأفراده، فإننا قمنا بإجراءاتنا للتأكد من أن الطفلة مجهولة الأبوين، وأنه لا علاقة تربطهم بها من تحليلات البصمة الوراثية».

وبحسب الحميدان، فإن «الحاضن طلب إكمال احتضان الطفلة، ولم يكن لدى النيابة مانع، فهو الأولى بتربيتها، لكن الباحثة الاجتماعية التي درست حالة الرجل وأسرته توصلت إلى أن الحالة غير سليمة وغير صحيحة، لأن البيئة غير ملائمة»، متابعاً «وعلى الرغم من ذلك انتدبت النيابة باحث حالة من مؤسسة دبي للنساء والأطفال، لإعداد تقرير آخر يكون حجيّة أخرى، وأتى الباحث بالتوصية نفسها التي رفعتها الباحثة الاجتماعية في نيابة دبي من أن البيئة غير ملائمة لاحتضان الطفلة».

وتابع «ولأن هؤلاء الأطفال مجهولي الأبوين مسؤولية الدولة وفي أمانتها، فقد ارتأينا أن لا تكمل عيشها معهم، ولابد من منحها الرعاية الكريمة في مؤسسة دبي للنساء والأطفال».

وأكد الحميدان، أن «الحاضن حضر مع زوجته إلى مقر النيابة العامة وسلّم الطفلة بطريقة ودّية، ولم نرسل له أفراد شرطة لسحبها من حضانتهم، وكان ذلك بحضوري وحضور مستشارين، وقدمنا له الشكر والرعاية والاهتمام بالطفلة طوال السنوات الماضية، وكنا نريد أن تستمر معهم لولا نتيجة تقارير الجهات المختصة، ما يفرض عليهم اتباع الخطوات القانونية».

طباعة