عرض أزياء في قلب المعرض الوطني الإيطالي للفن الحديث
«فندي» تكتب فصلاً جديداً في روما.. ماريا كيوري تعيد إلى «الأزياء الراقية» لغة الحرفة والفن
مجموعة كيوري الجديدة اعتمدت على توازن دقيق بين البناء المعماري والانسيابية وجاءت الفساتين طويلة ومتحركة بخفة. أ.ف.ب
لم يكن عرض «فندي» للأزياء الراقية في روما مجرد إطلاق أول مجموعة هوت كوتور تحمل توقيع المصممة الإيطالية ماريا غراتسيا كيوري، بل مثّل إعلاناً عن مرحلة إبداعية جديدة لدار لطالما ارتبط اسمها بالحرفية الإيطالية والابتكار. ففي قلب المعرض الوطني للفن الحديث والمعاصر، حيث تتجاور الأعمال الفنية مع الذاكرة الثقافية لروما، اختارت الدار أن تكتب فصلاً جديداً من تاريخها، واضعةً الكوتور في حوار مباشر مع الفن والعمارة والهوية.
منذ اللحظات الأولى للعرض، بدت فلسفة كيوري واضحة، إذ لم تسعَ إلى إحداث قطيعة مع إرث «فندي»، بل إلى إعادة صياغته برؤية أكثر هدوءاً وتأملاً. فالترف هنا لم يكن صاخباً، بل تجلى في دقة القصات، ونقاء الخطوط، والإتقان الذي يظهر في كل غرزة وتطريز، في تأكيد على أن الأزياء الراقية لاتزال مساحة للحرفة قبل أن تكون مساحة للاستعراض.
اعتمدت المجموعة على توازن دقيق بين البناء المعماري والانسيابية، وهي معادلة لطالما ميّزت أسلوب كيوري. فقد جاءت الفساتين طويلة ومتحركة بخفة، بينما منحت الطبقات الشفافة من التول والأورغنزا والحرير التصاميم إحساساً بالحركة المستمرة، في حين حافظت القصات المحددة عند الخصر على حضور أنثوي رصين بعيد عن المبالغة.
وفي المقابل، ظهرت بعض الإطلالات ببنية أكثر صلابة، مستوحاة من العمارة الكلاسيكية في روما، حيث بدت الأكتاف المنحوتة والخطوط المستقيمة وكأنها امتداد للأعمدة الرومانية، في ترجمة بصرية تربط الموضة بالمكان الذي وُلدت فيه الدار.
حرفة تتصدر المشهد
جاءت خامات العرض لتؤكد أن الكوتور يبدأ من جودة المادة قبل شكلها. فقد تنقلت كيوري بين الحرير، والمخمل، والدانتيل، والتول، والأورغنزا، مستخدمةً التطريز اليدوي بوصفه عنصراً بنائياً لا مجرد زخرفة. وبرزت الزخارف المعدنية الدقيقة، والخيوط اللامعة، والتطريزات المستوحاة من الفنون الإيطالية التقليدية، في مشهد يعكس ساعات طويلة من العمل داخل مشاغل الدار.
أما لوحة الألوان، فابتعدت عن الصخب، واختارت الأبيض العاجي، والبيج، والأسود، والذهبي، مع درجات معدنية هادئة، لتمنح الأولوية للملمس والبنية، وتسمح للحرفية بأن تكون محور الاهتمام.
بين الذاكرة والتجديد
تكمن أهمية هذه المجموعة في أنها لا تقدم رؤية جديدة للأزياء الراقية فحسب، بل تعيد تعريف هوية «فندي» في مرحلة ما بعد المديرين الإبداعيين الذين تركوا بصمات بارزة في تاريخ الدار. فبدلاً من استنساخ الماضي، اختارت كيوري استحضاره بأسلوب معاصر، مع الحفاظ على القيم التي صنعت مكانة «فندي»: الجودة، والابتكار، والاهتمام الاستثنائي بالتفاصيل.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة المجموعة بوصفها محاولة لإعادة مفهوم الأزياء الراقية إلى جوهره، بعيداً عن النزعة الاستعراضية التي باتت تهيمن على كثير من عروض الأزياء الراقية. فالملابس هنا لا تعتمد على المبالغة في الأحجام أو المؤثرات البصرية، بل تستمد قوتها من التوازن، ونقاء التصميم، وإتقان التنفيذ.
لغة واحدة بروح مختلفة
من تابع تجربة ماريا غراتسيا كيوري في ديور سيلاحظ استمرار اهتمامها بالحرف التقليدية، والأنوثة الهادئة، والمرجعيات الثقافية والفنية. لكن انتقالها إلى «فندي» أتاح لها مساحة مختلفة للتعبير، إذ بدت أقل انشغالاً بالسرديات الفكرية التي طبعت كثيراً من عروضها السابقة، وأكثر تركيزاً على المادة، والبناء، والحرفية الإيطالية التي تشكل جزءاً أصيلاً من هوية الدار.
وفي حين ارتبطت أعمالها في «ديور» بخطاب بصري يميل إلى الرمزية، جاءت بدايتها مع «فندي» أكثر صفاءً، معتمدة على قوة التصميم ذاته، وعلى العلاقة بين الجسم والقماش، وبين الضوء والملمس، لتقديم كوتور يوازن بين الحداثة والكلاسيكية دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
يؤكد هذا العرض أن «فندي» تدخل مرحلة مختلفة، تراهن فيها على استعادة جوهر الأزياء الراقية بوصفها فناً يقوم على الحرفة والابتكار، لا على الإبهار وحده. ومن خلال أول مجموعة كوتور لماريا غراتسيا كيوري، تبدو الدار عازمة على ترسيخ هوية تجمع بين الإرث الروماني العريق والرؤية المعاصرة.
الحرفية الإيطالية
تُعد ماريا غراتسيا كيوري واحدة من أبرز مصممات الأزياء الإيطاليات في العصر الحديث، واشتهرت بأسلوب يجمع بين الحرفية الإيطالية الراقية والبعد الثقافي في التصميم. وتميزت مسيرتها بتقديم مجموعات تمزج بين الأناقة الكلاسيكية والرؤية المعاصرة، مع اهتمام خاص بالتطريزات اليدوية وفنون الكوتور، ما رسّخ مكانتها كواحدة من أكثر الأسماء تأثيراً في صناعة الأزياء العالمية.