يُعرف بأسلوبه الذي يمزج بين الابتكار واحترام تاريخ الموضة

ماتيو بلازي يرسم ملامح عهد جديد لـ «شانيل».. حين تتحول الأزياء الراقية إلى حوار بين الإرث العريق والمستقبل

صورة

في واحدة من أكثر اللحظات انتظاراً في عالم الموضة، قدّم المصمم ماتيو بلازي رؤيته الأولى لدار «شانيل» من خلال مجموعة الأزياء، ضمن أسبوع الأزياء الراقية في باريس، في عرض لم يكن مجرد تقديم لتصاميم جديدة، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين تاريخ الدار العريق، ومتطلبات الموضة المعاصرة.

ويحمل تولي بلازي قيادة «شانيل» مسؤولية استثنائية، إذ لا يتعلق الأمر بتقديم مجموعة موسمية فقط، بل بإدارة إرث يمتد عقوداً طويلة ارتبط باسم مؤسسة الموضة الفرنسية «كوكو شانيل» التي غيرت مفهوم أناقة المرأة في القرن الـ20، وأسست لغة تصميمية لا تزال حاضرة حتى اليوم.

اختار بلازي التعامل مع رموز الدار باعتبارها عناصر حية قابلة لإعادة التفسير، وليس مجرد تفاصيل أرشيفية يجب تكرارها. فقد حضرت في المجموعة روح «شانيل» المعروفة، من خلال التركيز على الخياطة الراقية، والبنية المتقنة للقطع، والانتباه إلى التفاصيل الصغيرة التي تمنح الإطلالة طابعها الفاخر.

لكن المصمم قدّم هذه الرموز برؤية مختلفة، إذ ابتعد عن الاستنساخ المباشر للماضي، واتجه نحو صياغة أكثر معاصرة تعتمد على التوازن بين الصرامة والنعومة، وبين البساطة الظاهرية والتعقيد الحِرفي الكامن خلف كل قطعة.

وتظهر هذه المقاربة في طريقة التعامل مع القصات والأحجام، حيث تتحول السترات الكلاسيكية والمعاطف والفساتين إلى قطع تحمل هوية جديدة، تجمع بين القوة والأنوثة، وتمنح المرأة حضوراً واثقاً دون مبالغة.

يظل عالم الأزياء الراقية مساحة مختلفة عن الموضة التجارية، فهو يعتمد على الحِرفة اليدوية الدقيقة، والوقت الطويل الذي يستغرقه تنفيذ القطعة الواحدة، بدءاً من رسم الفكرة الأولى، وصولاً إلى اللحظة التي تظهر فيها على منصة العرض.

وفي مجموعة «شانيل» الجديدة، برز هذا الجانب من خلال الاهتمام بالخامات، والتفاصيل المصنوعة يدوياً، والقدرة على تحويل القماش إلى أشكال تحمل طابعاً معمارياً وفنياً.

فالأزياء الراقية لا تُقاس بجمال الشكل النهائي فقط، بل بقيمة العمل الذي يقف خلفها، إذ تمثل كل قطعة تعاوناً بين المصمم والحِرفيين المتخصصين في التطريز والخياطة ومعالجة الأقمشة، وهي مهارات تحافظ عليها دور الأزياء الكبرى، باعتبارها جزءاً من التراث الثقافي للصناعة.

يُعرف بلازي بأسلوبه الذي يمزج بين الابتكار واحترام تاريخ الموضة، وهو ما ظهر في طريقته بالتعامل مع «شانيل»، إذ لم يسعَ إلى تغيير شخصية الدار، بل إلى توسيع مساحتها التعبيرية.

وتعكس المجموعة توجهاً نحو امرأة أكثر استقلالية، تبحث عن ملابس تمنحها الراحة والحضور في الوقت نفسه. فالفخامة هنا لا تعتمد على المبالغة، بل على جودة التصميم، ودقة التنفيذ، والقدرة على منح القطعة عمراً يتجاوز الموسم الواحد.

كما يظهر اهتمام واضح بفكرة الاستدامة الفكرية للموضة، أي إنتاج قطع تمتلك قيمة طويلة الأمد، بدلاً من الاعتماد على الاتجاهات السريعة التي تختفي مع نهاية كل موسم.

ومن خلال هذه المجموعة، يبدو أن بلازي اختار طريق الحوار بين الماضي والمستقبل. فإرث «شانيل» لم يظهر كقيد يحد من الإبداع، بل كمصدر غني يمكن إعادة اكتشافه وتقديمه بلغة تناسب العصر.


باريس تحتفي بمستقبل الموضة

جاء العرض ضمن أسبوع الأزياء الراقية في باريس، الحدث الذي يحول العاصمة الفرنسية سنوياً إلى مركز عالمي للإبداع، حيث تجتمع دور الأزياء الكبرى والمصممون والنقاد وخبراء الصناعة، لمتابعة أحدث الرؤى في عالم التصميم.

وتبقى عروض «الهوت كوتور» أكثر من مجرد منصات لعرض الملابس، فهي مساحات فنية تعكس تطور الذوق الجمالي، وتحكي قصصاً عن الثقافة والحِرفية والهوية. ومع أولى خطوات ماتيو بلازي في عالم «شانيل»، تبدو الرسالة واضحة: الدار العريقة لا تبحث عن قطع علاقتها بماضيها، بل عن طريقة جديدة لجعل هذا الماضي مصدر إلهام لمستقبل أكثر ابتكاراً، حيث تلتقي الحِرفة الفرنسية التقليدية مع لغة الموضة العالمية الحديثة.

تويتر