مهارات متوارثة تتحوّل إلى جزء من صناعة بمليارات الدولارات
من ورش متواضعة إلى الأناقة العالمية.. نساء يصنعن الأثر بخيوط الصوف
جذور «مانوس ديل أوروغواي» تعود إلى ستينات القرن الماضي. أ.ف.ب
في إحدى الورش المتواضعة في العاصمة الأوروغوايانية مونتيفيديو، تنشغل عشرات الأيدي بتحويل خيوط الصوف إلى قطع تحمل في تفاصيلها تاريخاً طويلاً من الحرفية والعمل الجماعي. وبينما تبدو العملية بسيطة في ظاهرها، فإن هذه الغرز اليدوية تجد طريقها في النهاية إلى بعض أشهر منصات الموضة العالمية، عبر شراكة تجمع شبكة الحرفيات في تعاونية «مانوس ديل أوروغواي» بمصممة الأزياء العالمية غابرييلا هيرست.
تقدم هذه التجربة نموذجاً نادراً في صناعة الأزياء المعاصرة، حيث تلتقي الحِرفة التقليدية بالتجارة العالمية، وتتحوّل مهارات متوارثة عبر الأجيال إلى جزء من صناعة فاخرة تُقدر بمليارات الدولارات.
تعود جذور «مانوس ديل أوروغواي» إلى ستينات القرن الماضي، حين تأسست كمشروع اجتماعي يهدف إلى توفير فرص عمل للنساء في المناطق الريفية والنائية من أوروغواي، ومنذ ذلك الوقت تطوّرت المبادرة لتصبح شبكة تضم مئات النساجات والحائكات اللواتي يعملن ضمن نموذج تعاوني يضمن لهن دخلاً مستقراً، وفرصة للحفاظ على الحِرَف التقليدية.
وتعتمد التعاونية على أساليب إنتاج يدوية بالكامل تقريباً، باستخدام الأنوال التقليدية أو الحياكة بالإبر، ما يجعل كل قطعة تحمل طابعاً فريداً يصعب استنساخه في خطوط الإنتاج الصناعية الضخمة.
برز اسم هيرست خلال السنوات الأخيرة، باعتبارها واحدة من أكثر المصممات تأثيراً في عالم الأزياء الفاخرة، واكتسبت شهرة واسعة، بفضل تركيزها على الاستدامة والإنتاج المسؤول، سواء من خلال علامتها الخاصة أو خلال إدارتها الإبداعية السابقة لدار الأزياء الفرنسية «كلوي».
وبالنسبة لهيرست، لا تقتصر العلاقة مع «مانوس ديل أوروغواي» على التعاقد المهني، بل ترتبط أيضاً بجذورها الشخصية والثقافية، إذ تسعى إلى دمج التراث الحِرفي لبلدها الأم في مجموعاتها التي تعرض في نيويورك وباريس وعواصم الموضة.
وتأتي هذه الشراكة في وقت يشهد قطاع الأزياء تحولات عميقة، نتيجة الانتقادات المتزايدة الموجهة إلى صناعة «الموضة السريعة»، التي تعتمد على الإنتاج الكثيف، والاستهلاك المتسارع للموارد.
وأمام هذه التحديات، أصبحت العلامات الفاخرة تبحث عن نماذج إنتاج أكثر استدامة، تقوم على التصنيع المحدود، والجودة العالية، والحرفية اليدوية، وهي عناصر توفرها التعاونية الأوروغوايانية بصورة طبيعية.
ويرى خبراء الموضة أن المستهلكين باتوا أكثر اهتماماً بمعرفة قصة المنتج ومصدره والظروف التي صُنع فيها، وهو ما يمنح المنتجات الحِرفية قيمة إضافية تتجاوز الجانب الجمالي.
وفي العديد من دول العالم تواجه الحِرَف التقليدية خطر التراجع، بسبب المنافسة الصناعية، وتغيّر أنماط العمل والحياة، لكن تجربة «مانوس ديل أوروغواي» تُظهر كيف يمكن لهذه المهارات القديمة أن تجد مكاناً جديداً داخل الاقتصاد العالمي من دون أن تفقد هويتها.
فكل قطعة تنتجها النساء تحمل معها خبرات متوارثة وتقنيات يدوية يصعب نقلها إلى الآلات الحديثة، ما يجعل الحفاظ عليها جزءاً من حماية التراث الثقافي غير المادي.
نموذج يتجاوز الأزياء

لا ينظر كثيرون إلى المشروع باعتباره قصة نجاح في عالم الموضة فقط، بل كنموذج للتنمية الاقتصادية والاجتماعية أيضاً، فالشبكة توفر فرص عمل لمئات النساء، وتمنحهن استقلالاً مالياً، وتساعد المجتمعات المحلية على البقاء منتجة في مواجهة التغيّرات الاقتصادية.
وفي زمن تتجه الصناعات الكبرى نحو الأتمتة والذكاء الاصطناعي، تبرز تجربة نساء أوروغواي، باعتبارها تذكيراً بأن قيمة العمل اليدوي لاتزال قادرة على المنافسة، وأن الحِرَف التقليدية يمكن أن تتحول من إرث مهدد بالاختفاء إلى عنصر أساسي في مستقبل الموضة العالمية.