تجربة بصرية تستحضر أضواء الجزيرة الإيطالية وذاكرتها الثقافية
«عطلات صقلية».. رحلة متوسطية تعيد تعريف أناقة الرجل الصيفية
لم يكن عرض «Vacanze Siciliane - العطلات الصقلية» مجرد استعراض لأزياء صيفية، بل جاء كرحلة بصرية إلى قلب البحر المتوسط، حيث تحولت منصة العرض إلى مساحة تستحضر ضوء الجزيرة الإيطالية، ودفء شواطئها، وذاكرتها الثقافية الغنية، من خلال هذه الرؤية قدم المصممان، دومينيكو دولتشي، وستيفانو غابانا، مجموعة رجالية تقوم على فكرة أساسية: تحويل الملابس اليومية إلى تجربة فاخرة تجمع بين الراحة والحرفية والهوية المحلية.
اختار العرض أن يبدأ من روح المكان قبل الحديث عن الاسم، فكانت صقلية هي الشخصية الرئيسة؛ جزيرة تجمع بين العمارة القديمة، والبحر، والأسواق الشعبية، والحرف اليدوية، وهي عناصر ظهرت في لغة التصميم عبر الألوان والخامات والزخارف. وبعد ذلك جاءت بصمة دار«دولتشي آند غابانا» التي جعلت من الهوية الإيطالية الجنوبية على مدى عقود أحد أعمدة أسلوبها الإبداعي.
اعتمد المصممان على مفهوم «العطلة الإيطالية» ليس باعتباره صورة سياحية تقليدية، بل كحالة جمالية كاملة. فالملابس بدت وكأنها جزء من قصة رجل يعيش الصيف بكل تفاصيله: ينتقل بين شوارع المدن الساحلية، والمقاهي القديمة، واليخوت، والمناسبات المسائية المفتوحة على البحر.
ظهرت هذه الفكرة في التحول التدريجي داخل العرض؛ من بدايات أكثر هدوءاً واعتماداً على الأسود، إلى انفجار لوني مستوحى من الطبيعة المتوسطية، قبل الوصول إلى نهايات بيضاء تعكس صورة الصيف الإيطالي النقي.
أبرز التحولات الإبداعية في المجموعة تمثلت في إعادة تقديم البدلة الرجالية بعيداً عن الصرامة التقليدية. لم تعد السترة قطعة رسمية ثقيلة، بل أصبحت أكثر مرونة وانفتاحاً على المناخ الصيفي، مع قصّات تسمح بالحركة وخامات خفيفة تمنح إحساساً بالراحة. ظهرت سترات بتفاصيل مبتكرة، بينها تصاميم تعتمد على فتحات وطبقات خلفية تساعد على التهوية، إضافة إلى بدلات خفيفة ذات حضور بصري قوي تجمع بين الخياطة الإيطالية الدقيقة والطابع غير الرسمي.
هذه المقاربة تعكس اتجاهاً واضحاً في أزياء الرجال الحديثة: الانتقال من مفهوم «الرسمية الجامدة» إلى أناقة أكثر شخصية، يستطيع الرجل ارتداءها في المناسبات أو أثناء السفر دون فقدان الفخامة.
ركزت المجموعة على خامات تناسب حرارة الصيف، فظهرت الملابس المحبوكة بخفة، والحرير، والجلد المنسوج، إلى جانب قطع واسعة تمنح الجسد مساحة أكبر للحركة.
ولم تكن الخامات مجرد اختيار عملي، بل كجزء من السرد البصري للمجموعة؛ فالجلد المنسوج حمل إحساس الحرفة التقليدية، بينما أعادت الأقمشة الخفيفة تقديم صورة الرجل العصري الذي يبحث عن الراحة دون التخلي عن التفاصيل الفاخرة. اعتمد العرض على عناصر بصرية مرتبطة مباشرة بصقلية، من طبعات الليمون إلى التصاميم التي تشبه البطاقات البريدية القديمة، إضافة إلى التطريزات والزخارف التي منحت القطع إحساساً بالحكاية والحنين.
كما ظهرت قطع من الدنيم مزينة بتطبيقات ملونة تشبه الأحجار أو المجوهرات، في محاولة لكسر الصورة التقليدية للجينز وتحويله إلى قطعة فاخرة تحمل طابعاً فنياً.
لم تعامل المجموعة الإكسسوارات كعناصر ثانوية، بل كجزء أساسي من بناء الشخصية. حضرت الحقائب الجلدية الكبيرة، والأحذية المتنوعة، والعناصر التي تضيف بعداً عملياً ودرامياً في الوقت نفسه.
بين التراث والتجديد
لم يبتعد المصممان، دومينيكو دولتشي، وستيفانو غابانا، عن الحمض النووي المعروف للدار: الألوان الجريئة، والحس المسرحي، والزخرفة الغنية بقيت حاضرة، لكن تمت إعادة ضبطها لتناسب رجلاً يبحث عن ملابس أخف وأكثر قابلية للحياة اليومية.
في النهاية، قدم عرض ربيع وصيف 2027 رؤية تقول إن مستقبل الأناقة الرجالية قد لا يكون في مزيد من الرسمية، بل في القدرة على الجمع بين السفر والراحة والهوية الشخصية، حيث تصبح القطعة الفاخرة ذكرى قابلة للارتداء، وليس مجرد استعراض بصري على منصة العرض.