«درويشيات» تأخذك إلى حارات البيوت العتيقة.. وأريحا الأقدم في التاريخ

فلسطين ترحب بزوّار «إكسبو» عبر حجارة القدس القديمة

صورة

أن تُخبر أحداً أنه يقف فوق حجارة البلدة القديمة في مدينة القدس، ومن أن الممر الذي رُصفت منه تلك الحجارة، سيقوده إلى رؤية جزء من قبة المسجد الأقصى، وهو هنا في دبي، فإن ذلك يبدو ضرباً من الخيال، إلّا أن فيه شيئاً من الحقيقة التي ينطق بها المضيفون في أول لقائهم بزوار «جناح فلسطين» في «منطقة الفرص» بـ«إكسبو 2020 دبي».

القدس القديمة

«هل تعلم أنك تقف على أرضية الحارات القديمة في مدينة القدس؟». بهذه الجملة استهل الشاب أيوب أحمد من طاقم المضيفين في الجناح، مقدمته التعريفية عن أروقة وأقسام الجناح. وعندما تسأله: كيف يمكن أن يحدث أمر كهذا؟ فإنه يجيب بأنه تم جلب نوع الحجر نفسه تماماً من المصدر نفسه، وبالمواصفات الفيزيائية والكيميائية ذاتها، ومن الموقع نفسه الذي تم فيه نقش حجارة أجزاء كبيرة من طرقات وأزقة حارات القدس القديمة الحالية.

مقدمة مثيرة للاهتمام وباعثة لمشاعر الحنين والأسى في الوقت ذاته، لاسيما في قلب أبناء جيل نقل لهم آباؤهم الكثير والصعب عن ذكريات وأحلام وحياة عاشوها وأجدادهم في الحارات المقدسية، إلا أنها أيضاً مقدمة تستحضر ضرورة التذكير بخواص الحجارة المكونة لبلاط أدراج وأزقة أحياء البلدة القديمة في مدينة القدس.

الحجر الجيري

الحجارة الملساء التي يقف زائر الجناح فوقها بدءاً من خطواته الأولى في الممر الخارجي، قاصداً مدخله، تنتمي إلى فصيل «الحجر الجيري» المستخدم في رصف أرضيات البلدة القديمة، في فترة الحكم العثماني لفلسطين على الأقل، وهو ما يسميه الباحثون بـ«التبليط المتأخر» لمدينة القدس التي عرفت رصف طرقاتها الداخلية بدءاً من العهد الروماني، وتحديداً في القرن الثاني الميلادي خلال فترة بناء «هادريان» لمدينة القدس الرومانية، بمستوى منخفض عن مستوى المدينة الحالي بأربعة أمتار تقريباً.

سمات فريدة

ويؤكد الباحثون أن حجر التبليط في مدينة القدس وفي بلدتها القديمة، هو حجر جيري أُخذ من محاجر القدس، ويتميز بثلاث سمات فريدة، أولاها أنه حجر من النوع المسمى بـ«المالكي»، الذي يتميز بنسبة عالية لامتصاص الماء والاحتفاظ به، والثانية تتعلق بدرجة صلابته وقدرته على الصمود أمام حالات الطقس والتعرية الجوية، إضافة الى سمة ثالثة تتمثل في تقبّل الحجر المالكي الجيري للصقل والتلميع بسبب احتوائه على بلورات كريستالية لامعة بعد صقلها.

المعايشة باللمس

ومن المدخل الذي اكتست جدرانه بجداريات عملاقة لصور تمر بالزائر وسط السوق، وتحت أقواس البيوت العتيقة في البلدة القديمة للقدس، إلى حيث مقتنيات أرجاء الجناح الممتد في عدد من المناطق الرئيسة التي يتوّجها ما ضمته منطقة هي محطة للتعرف إلى معالم رئيسة وتاريخية فائقة الأهمية في فلسطين من خلال «المعايشة باللمس»، والتي عرضت قطعة حقيقية من المادة التي غلّفت قبة صخرة المسجد الأقصى في القدس، وسمحت للزوار ليس برؤيتها من غير حواجز زجاجية فحسب، بل بلمسها باليد.

قبة الصخرة

أما قصة هذا الجزء من قبة صخرة الأقصى، فترجع الى جزء حقيقي تمثله قطعة ألمنيوم من الصفائح التي شكلت كسوة قبة الصخرة المشرفة قبل إعمار العام 1994. وتشير المعلومات التاريخية إلى أنه ومنذ بناء قبة الصخرة في العهد الأموي، وعلى امتداد 1300 عام، تم ترميمها مرات عدة، كان آخرها إعمار الفترة بين 1992 و1994، والذي جرى خلاله طلاء القبة المعدنية العلوية بالذهب، فيما قبل ذلك كان يتم استعمال صفائح وألواح الألمنيوم لتصفيح القبة المعدنية والأسقف الخارجية والعلوية المحصورة بين عنق القبة وجدران المبنى الثُماني الشكل.

مدينة أريحا

ويُعرض ضمن هذه المنطقة أيضاً، جزء من حجر فسيفساء من المدينة الأقدم في التاريخ.. أريحا، المدينة الفلسطينية التي يرجع عمرها الى 10 آلاف عام قبل الميلاد، والتي تتميز بفن الفسيفساء منذ القدم، وقد عثر فيها على سجادة الفسيفساء الشهيرة في الحمام الكبير في قصر الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك، والتي صنفت على أنها أكبر قطعة فسيفساء متصلة في العالم.

 

صوت «درويش»

تقوم فكرة الجناح على توزيع المعلومات في مناطق يحتاج الزائر في كل واحد منها، إلى التركيز على إحدى حواسه الخمس لاستشعار ومعايشة المعلومات التي تتناولها تلك المنطقة.

وفي أولى المناطق، يحمل صوت الشاعر الفلسطيني محمود درويش، الزائر إلى أروقة الأحياء القديمة في مدن الناصرة والقدس وبيت لحم، فيما منطقة أخرى تستنطق حاسة الشم لديه، لتمتعه بالتعرف إلى عدد من الأعشاب والمنتجات الخضراء التي تشكل تاريخياً، جزءاً مهماً من ثروة فلسطين الزراعية، مثل الزعتر، والبرتقال والحبق، المستخدمة في الصناعات الغذائية وفي صناعة الأدوية على مستوى العالم.

تراث ومدن

يودّع الجناح زواره في باحة كبيرة تضم في جانب منها عرضاً مرئياً لأهم الصناعات الفلسطينية الحالية في عدد من القطاعات الاقتصادية، كما تطل في أحد جنباتها على معرض فني يضم عدداً من اللوحات التي ركز جزء كبير منها على تصوير «فلسطين الأم»، عبر مجموعة من الرسومات الزيتية لنساء تزينّ بالثوب التقليدي، كما يعرض على شاشة عملاقة مادة فيلمية عن أهم المدن الفلسطينية بأسمائها العربية التي غيّرها الاحتلال، إضافة إلى خريطة كبيرة بأسماء القرى والمدن على كامل الأراضي الفلسطينية، والتي تقف بين سوقين من المنتجات الفلسطينية يوفرهما الجناح، إحداهما خُصصت للأصناف الغذائية، والأخرى للمقتنيات والقطع الفنية التي صُنعت يدوياً في كل من القدس والخليل ونابلس.

رحلة معرفية سريعة يعيشها الزائر بحب داخل جناح فلسطين، إلّا أنها لا تخبره سوى بضعة حروف صغيرة من مجلدات أكبر بما لا يُقاس، مجلدات ووثائق تروي عمق الحكاية.. حكاية فلسطين، الحضارة والتاريخ والوطن والقضية الإنسانية.

طباعة