وكالات: العمل المرن وسهولة الطيران وارتفاع الدخل ونمط الإجازات المدرسية تُعيد تشكيل سوق السفر

سكان الإمارات يُغيّرون سلوك السفر.. رحلات قصيرة ومتكررة بدلاً من «إجازة طويلة»

صورة

قال مسؤولون في وكالات سياحة وسفر إن السفر، بالنسبة لشريحة واسعة من سكان دولة الإمارات، لم يعد مناسبة موسمية مرتبطة بإجازة الصيف أو عطلة نهاية العام، بل أصبح جزءاً من نمط الحياة، ففي ظل مرونة العمل، وتوسع خيارات الطيران، وازدياد البحث عن التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، برز اتجاه جديد يتمثل في الرحلات القصيرة والمتكررة على مدار العام، بدلاً من رحلة واحدة طويلة.

وأوضحوا لـ«الإمارات اليوم» أن هذا التحول أصبح توجهاً يعيد تشكيل سوق السفر والسياحة في الدولة كل عام، ويدفع شركات السفر إلى إعادة تصميم منتجاتها، بما يتوافق مع متطلبات المسافرين الجدد.

وناقش مسؤولو وكالات السياحة والسفر السلوك والتوجهات التي بدأت تظهر في المجتمع، وارتفاع الطلب على الرحلات القصيرة، وانعكاس ذلك على طبيعة الحجوزات، واستجابة القطاع لهذا التحول من خلال تطوير باقات مرنة، مؤكدين أن جودة التجربة أصبحت أهم من طول مدة الإجازة بالنسبة للمسافر الحالي.

نشاط متكرر

وقال الرئيس التنفيذي لـ«شركة الريس للسفريات - مجموعة الريس»، محمد جاسم الريس: «تغير مفهوم السفر لدى سكان الإمارات بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة، إذ لم يعد السفر مرتبطاً بالإجازات الطويلة كما كان في السابق، بل أصبح نشاطاً متكرراً يلجأ إليه الأفراد وحتى العائلات أكثر من مرة سنوياً».

وأضاف أن الشركة رصدت ارتفاعاً ملحوظاً في الطلب على الرحلات القصيرة التي تراوح مدتها بين ثلاثة وخمسة أيام، خصوصاً خارج مواسم الذروة، لافتاً إلى أن نسبة متزايدة من المتعاملين باتوا يفضلون توزيع ميزانية السفر السنوية على أكثر من رحلة، بدلاً من إنفاقها بالكامل في عطلة واحدة.

وأشار الريس إلى أن هذا التغيير انعكس على طبيعة الحجوزات، إذ أصبحت نسبة كبيرة من العملاء تحجز قبل السفر بفترات قصيرة نسبياً، مع التركيز على الوجهات القريبة التي يمكن الوصول إليها خلال أربع أو خمس ساعات طيران.

وقال: «لم يعد هدف السفر خارج المواسم توفير التكاليف فقط، وإنما السفر بعيداً عن أوقات الذروة والازدحام وامتلاء الفنادق والمرافق السياحية، وبالنسبة لبعض المسافرين، فبدلاً من الانتظار أشهراً عدة للحصول على إجازة طويلة، فإنه يفضل الحصول على فترات استراحة قصيرة ومتكررة».

ويرى الريس أن شركات السفر استجابت لهذا التحول من خلال تطوير باقات مرنة تتناسب مع عطلات نهاية الأسبوع والإجازات القصيرة، تشمل حجوزات الطيران والفنادق والأنشطة السياحية في حزمة واحدة، مع إمكانية الحجز السريع والتعديل بسهولة.

فرق واضح

من جانبه، قال المدير التنفيذي لشركة دبي العالمية للسفريات، بدر أهلي، إن «الفارق بين سلوك المسافر قبل سنوات واليوم أصبح واضحاً للغاية».

وأضاف لـ«الإمارات اليوم»: «أغلبية المتعاملين في السابق كانوا يخططون لرحلة واحدة طويلة خلال الصيف أو الشتاء، بينما أصبح كثير منهم يسافر حالياً مرتين أو ثلاثاً سنوياً، وربما أكثر، على أن تكون مدة كل رحلة ثلاثة أو أربعة أيام فقط».

ورأى أهلي أن «مفهوم السفر لدى سكان الدولة تغير من كونه مناسبة سنوية إلى نمط يتكرر على مدار العام»، مشيراً إلى أن «العديد من المتعاملين ينظرون إلى الرحلات القصيرة باعتبارها وسيلة عطلة سياحية قصيرة».

وقال: «الوجهات القريبة أصبحت تستحوذ على الحصة الكبرى من الطلب بالنسبة للإجازات القصيرة وعطلات نهاية الأسبوع، بفضل سهولة الوصول إليها، وقصر مدة الرحلة، وتوافر خيارات متعددة تناسب مختلف الميزانيات».

وتابع: «على سبيل المثال، أصبحت فترة الشتاء موسماً سياحياً لدى شريحة متزايدة، كما أصبحت ذروة الشتاء هذه تقترب من حيث معدلات الطلب من ذروة فصل الصيف».

عوامل التحول

ولفت أهلي إلى أن المسافر الحالي يبحث عن تحقيق أكبر قدر من الفائدة من وقته خلال أقل عدد من الأيام، لذلك أصبحت عوامل مثل قرب الوجهة وسهولة التنقل وتنوع الأنشطة، أكثر أهمية من عدد الأيام التي يقضيها في الإجازة.

وحول العوامل التي قادت إلى هذا التحول قال أهلي: «العمل الهجين والعمل عن بُعد، لعبا دوراً محورياً في هذا التحول، إذ أصبح بإمكان كثير من الموظفين، السفر خلال أيام العمل، مع إنجاز مهامهم عن بعد، الأمر الذي أدى إلى تراجع الاعتماد الكامل على الإجازات الرسمية».

وأضاف أن «فترات الإجازات والعطلات المدرسية لعبت أيضاً دوراً في تشكل هذا الاتجاه، خصوصاً السفر في موسم الشتاء ابتداء من النصف الثاني من ديسمبر»، مشيراً إلى أن شركات السفر أصبحت تلاحظ زيادة الحجوزات حتى خلال أيام منتصف الأسبوع، وليس فقط في عطلات نهاية الأسبوع.

كما لفت إلى أن المنافسة بين شركات الطيران أسهمت في تعزيز هذا الاتجاه، من خلال توفير أسعار تنافسية طوال العام، وليس فقط خلال المواسم.

جودة التجربة

وفي السياق نفسه، قال المدير التنفيذي لشركة «إس تي إس» في مجموعة «دبي لينك»، صلاح منصور، إن «نتائج الدراسات الحديثة تؤكد هذا التحول بوضوح»، مشيراً إلى أن دراسة أجرتها شركة فيزا العالمية خلال العام الماضي أظهرت أن 87% من سكان دولة الإمارات يفضلون الإجازات القصيرة في الخارج على الرحلات الطويلة.

وأضاف أن هذا الرقم يعكس تغيراً جذرياً في أولويات المسافرين، حيث أصبحت جودة التجربة أهم من طول مدة الإجازة، كما أن مفهوم «عطلات المدن القصيرة» أصبح من أكثر المنتجات طلباً في السوق الإماراتية، سواء للعائلات أو الأزواج أو الشباب.

ولفت منصور إلى أن الوجهات التي لا تتطلب إجراءات تأشيرة مسبقة تحقق معدلات نمو مرتفعة، كونها تمنح المسافر فرصة اتخاذ قرار السفر بسرعة، دون الحاجة إلى التخطيط لأسابيع أو أشهر، مبيناً أن عدداً من المدن الأوروبية القريبة ووجهات في شرق ووسط أوروبا، أصبحت من أكثر الوجهات طلباً، بفضل سهولة الوصول إليها، وتنوع خيارات الإقامة واعتدال تكاليفها.

ورداً على استفسار يتعلق بالفئة العمرية الأكثر ميلاً لهذا التوجه في السفر قال منصور: «الأجيال الشابة تقود هذا التغيير بصورة أكبر، إذ تنظر إلى السفر باعتباره جزءاً من أسلوب الحياة، وليس مجرد نشاط موسمي».

وأوضح أن هناك مجموعة عوامل رئيسة أسهمت في هذا التحول، في مقدمتها سهولة السفر من الإمارات، التي تعد واحدة من أكبر مراكز الطيران في العالم، إضافة إلى إطلاق عروض ترويجية مستمرة على مدار العام، ما شجع كثيراً من المسافرين على اقتناص الفرص خارج مواسم الذروة.

وأكد منصور أن الرحلات القصيرة تقلل التعقيدات اللوجستية، إذ يصبح التخطيط لها أسهل، ولا تتطلب إجازات طويلة أو ترتيبات معقدة، متوقعاً استمرار هذا الاتجاه خلال السنوات المقبلة، في ظل استمرار التغيرات في بيئة العمل، وزيادة الاعتماد على العمل المرن، وارتفاع المنافسة بين شركات الطيران.

وشدد منصور على أن التحول الحالي لا يعكس تغيراً في عادات السفر فقط، وإنما يعكس أيضاً تغيراً أوسع في أسلوب الحياة وتحقيق التوازن بين العمل والحياة، خصوصاً مع ارتفاع مستويات الدخل لدى السكان ورصدهم ميزانيات أكبر للسفر.

. «عطلات المدن القصيرة» أصبحت من أكثر المنتجات طلباً في السوق الإماراتية.

. قُرب الوجهة وسهولة التنقل وتنوع الأنشطة، أصبحت أكثر أهمية من عدد أيام الإجازة.

تويتر