أسباب انقسام المستثمرين في سوق العملات المشفرة

اعتبرت العملات المشفرة خلال العامين الماضيين وسيلة للتمكين الاقتصادي. وقد روج مؤيدوها بأن تداولها باستخدام شبكة من أجهزة الكمبيوتر، وليس من خلال كيان مركزي مثل البنك، يعتبر وسيلة لتحقيق ثروة خارج نظام التمويل التقليدي.

لكن بالنسبة لتلك المبادئ التي يُفترض تحقيقها للمساواة، فقد كشف انهيار أسعار عملات مشفرة عن انقسام كبير في السوق، بين فقدان موظفي شركات تشفير وظائفهم، ومعاناة مستثمرين من خسائر فادحة، وبين ظهور مسؤولين تنفيذيين في شركات تشفير وتداول في وضع جيد نسبياً.

 
ثروة هائلة

لم ينج أي مستثمر في العملات المشفرة بالكامل من الانكماش الذي شهدته الأسواق. لكن مجموعة صغيرة من عمالقة الصناعة راكموا ثروة هائلة، مع ارتفاع الأسعار على مدى العامين الماضيين، ما منحهم وضعاً مريحاً، إذ اشترى العديد منهم عملات «بيتكوين»، و«إيثيريوم»، وعملات افتراضية أخرى منذ سنوات، عندما كانت الأسعار رخيصة. وأمّن البعض مكاسبه في وقت مبكر، من خلال بيع أجزاء من مقتنياته من العملات المشفرة، فيما يدير آخرون شركات تشفير تجني أرباحاً يعاد استثمارها في سوق العقارات.
 
 
متداولون هواة

على النقيض من ذلك، تدفق العديد من المتداولين الهواة إلى سوق العملات المشفرة أثناء جائحة فيروس كورونا، خصوصاً عندما بدأت الأسعار في الارتفاع.

واستخدم البعض مدخرات حياته لاقتناء تلك العملات، ما جعله عرضة للانهيار المالي. كما توافد الآلاف على العمل في شركات التشفير، معتقدين أنها «تذكرة» نحو طريق الثروات الجديدة، لكن الكثير منهم يرى مدخراته تتلاشى الآن أو يفقدون وظائفهم.


ثروات المليارديرات

بدورها، قدرت مجلة فوربس الثروات المجمعة لأغنى 16 مليارديراً في مجال العملات المشفرة بأكثر من 135 مليار دولار في مارس الماضي.

واعتباراً من هذا الأسبوع، فقد هبطت قيمة تلك الثروات إلى نحو 76 مليار دولار، مع ملاحظة أن معظم تلك الخسائر تكبدها ملياردير واحد، هو الرئيس التنفيذي لبورصة العملات المشفرة «بينانس»، تشانغ بينغ تشاو، الذي تقلصت ثروته البالغة 65 مليار دولار إلى 17.4 مليار دولار.


آثار غير متكافئة

الآثار غير المتكافئة لانهيار سوق العملات المشفرة واضحة حتى داخل شركات التشفير. فقد تم طرح شركة «كوينبيس»، أكبر بورصة تشفير في الولايات المتحدة، للاكتتاب العام في أبريل 2021 عندما كان الاهتمام بالعملات الرقمية يتزايد.

وكجزء من الإدراج العام للشركة، باع الرئيس التنفيذي للشركة، بريان أرمسترونج، نحو 300 مليون دولار من الأسهم. وفي ديسمبر، اشترى عقاراً بقيمة 133 مليون دولار في حي «بيل إير» في مدينة لوس أنجلوس الأميركية.

 كما باع نحو ستة من كبار المديرين التنفيذيين في «كوينبيس» أسهماً تزيد قيمتها عن 850 مليون دولار منذ أبريل 2021.

وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية إن مديرة العمليات في الشركة، إميلي تشوي، جنت نحو 235 مليون دولار، في ما باع كبير مسؤولي المنتجات في الشركة، سوروجيت تشاترجي، نحو 110 ملايين دولار من الأسهم.

وقد بلغ سهم «كوينبيس» ذروته عند 357 دولاراً في نوفمبر الماضي، إلا أنه يتم تداوله الآن عند 51 دولاراً.


 
الاستغناء عن الموظفين

وخلال يونيو الماضي، وبينما كانت «كوينبيس» تكافح مع انخفاض الأسعار وتراجع اهتمام المستهلك بالعملات المشفرة، فقد سرحت 18% من موظفيها، أو نحو 1100 شخص.

كما ألغت الشركة المئات من عروض العمل. وكان بعض هؤلاء الموظفين الجدد قد تركوا وظائفهم السابقة بالفعل، أو كانوا يعتمدون على «كوينبيس» للحفاظ على تأشيرات عملهم.

 
«لونا» و«تيرا»

بدأ انهيار العملات المشفرة في مايو عندما فقدت عملة تجريبية تسمى «تيرا يو إس دي» كل قيمتها تقريباً بين عشية وضحاها، ما أدى إلى انهيار العملة الرقمية الشقيقة «لونا».

وقد أدى الانهيار إلى تدمير بعض تجار التجزئة الذين أنفقوا مدخراتهم على «تيرا» من خلال برنامج إقراض يتيح للمستثمرين إيداع العملة، والحصول على فائدة تصل إلى 19.5%.

 وقد تم إطلاق «تيرا» بواسطة شركة «تيرافورم»، وهي شركة ناشئة جمعت التمويل من شركات رأس المال الاستثماري.

وقد تعاظم انتشار تأثير انهيار «لونا» و«تيرا»، إذ ضرب أسعار «بيتكوين»، و«إيثيريم»، العملتان الرقميتان الأكثر قيمة.

كما تفاقم الانهيار عندما أعلن «سيليزيوس»، وهو بنك تشفير، أنه أوقف عمليات السحب.

ومع انخفاض الأسعار، أصبحت «جيمني» أول شركة تشفير كبرى تعلن عن تسريح العمال، تلتها «بلوك فاي»، و«كريبتو دوت كوم»، و«كوينبيس».

 

طباعة