مهارات لاقتصاد المستقبل

يشهد قطاع الطاقة اليوم أحد أعظم تحولاته منذ عقود، فقد ظلّت الاقتصادات النفطية متمسكة بطرق الاستخراج التقليدية منذ ستينات القرن العشرين، وتواجه الآن أحد أكبر التغيرات في العصر الحديث.

وعلى الرغم من ذلك، فقد حرصت دولة الإمارات العربية المتحدة على أن تكون سبّاقة في مواكبة هذا التحول، وهو ما يبدو جلياً في المبادرات التي أطلقتها والمنشآت الحديثة التي أنشأتها، وقطعت الدولة حتى الآن أشواطاً كبيرة في هذا التحوّل، إذ سيُصبح «مجمّع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية» باكتماله العام المقبل أكبر مشاريع الطاقة الشمسية في العالم، وتتكون المحطة من 2.3 مليون لوح كهروضوئي بسعة إنتاجية تبلغ 213 ميغاواط، وستمد المحطة 1.3 مليون منزل بالطاقة، كما ستُعوّض 6.5 ملايين طن من انبعاثات الكربون كل عام.

إلا أن مصادر الطاقة المتجددة ليست سوى غيض من فيض، فشركات النفط الوطنية تضخ ملايين الدولارات للاستثمار في استخراج 25% من البترول المتروك عادةً في مواقع حقولها المهجورة من خلال عملية استخراج النفط المعزز (EOR)، كما تمضي دول مجلس التعاون الخليجي قدماً في إعداد خطط لإنتاج الطاقة النووية في غضون العقدين المقبلين.

وبالتزامن مع هذه التوجهات، يستعد العالم اليوم لبرنامج (النفط والغاز 4.0) الذي يعتبر الركيزة التي تقوم عليها مرحلة التحوّل في الطاقة، ويكون ذلك من خلال الاستفادة من التقنيات الناشئة مثل: الروبوتات والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء (IoT) لإثراء الفرص المتاحة في القطاع.

وبفضل تقنية الجيل الخامس من تكنولوجيا الاتصالات المتنقلة؛ من المتوقع أن يسهم برنامج «النفط والغاز 4.0» في قلب الموازين، وهنا لابد من التركيز على بروز الحاجة الماسة لمجموعة من المهارات والمعرفة الجديدة، إذ ستحتفظ المهارات التقليدية التي يتمتع بها المهندسون ومشغلو المحطات في قطاعات مثل النفط والغاز وتوليد الطاقة بأهميتها لسنوات عدة مقبلة، لكن بصفة مختلفة، حيث ستصبح التقنية الرقمية أكثر أهمية.

إن القدرة على التكيّف مع البيئة المتغيرة ستبقى أمراً بالغ الأهمية للمضي قدماً وتحقيق التطوّر، لاسيما في الاقتصادات المعتمدة على الطاقة في الشرق الأوسط، وتبقى اقتصادات الدول المعتمدة على النفط في الشرق الأوسط حيوية وديناميكية بشكل نسبي، وهو ما يُمثّل فرصة للتفكير في سبل جني ثمار التنويع الاستثماري في ضوء التغيرات سريعة الخطى التي يمر بها القطاع. هذه النوعية من الاقتصادات تتميز بقدرتها على التعلّم السريع، بالإضافة إلى سرعة الاستجابة، وفي هذا الإطار أطلقت حكومة الإمارات العربية المتحدة مبادرات قوية قيد التطبيق لتطوير مجموعات مهارات تقنية جديدة للمضي قدماً.

ولا شك أن مبادرة «دبي 10X» خير مثال على ذلك، فهي تشجع على تطوير تقنيات الابتكار لتحل محل ممارسات العمل التقليدية وإنشاء نماذج أعمال جديدة ومبتكرة، كذلك الأمر بالنسبة لبرنامج «مهارات المستقبل للشباب»، إذ تؤكد الفرضية التي أشار إليها رئيس مجموعة البنك الدولي السابق جيم يونغ كيم، إلى أن أحد التحديات الاقتصادية الرئيسة التي ستواجه إمكانية المضي قدماً سيكون تزويد أجيال الشباب بالمهارات التي يحتاجون إليها للعمل في مجموعة الوظائف المستقبلية التي ستكون مختلفة اختلافاً جذرياً.

وهناك أيضاً منصة «هب 71» في أبوظبي، التي تجمع شركات عالمية عملاقة في مجال التكنولوجيا والأعمال التجارية مثل شركة «مايكروسوفت» وشركة مبادلة للاستثمار، وصندوق «سوفت بنك فيجن» وسوق أبوظبي العالمي.

ولابد لنا أن نذكر «برنامج إينوك لمنح الماجستير في الطاقة» بقيادة قسم الاستدامة في المجموعة، كمثال يحتذى به في هذا السياق، إذ يقدم هذا البرنامج، بالشراكة مع جامعة «هيريوت وات» في دبي، منحاً دراسية للطلاب الواعدين في السنتين الأخيرتين من دراستهم، كما توفّر برامج التنمية الوطنية التابعة للمجموعة فرصة عمل للمواطنين الإماراتيين عبر مهام وظيفية متنوعة، وذلك لمواصلة صقل كفاءاتهم.

ومن هذا المنطلق، يبقى توظيف المواهب الشابة الحديثة والمبتدئة ركناً أساسياً في هذا القطاع، فقد حافظت المنطقة على تقدّمها مقارنةً بالكثير من أنحاء العالم في ما يخص الانفتاح على إقامة شراكات مع أبرز الخبراء المتخصصين ومقدمي التقنيات في العالم، لكن تظهر الحاجة إلى وجود توازن مكافئ من المعرفة المحلية لتحقيق أي نتيجة حقيقية. ولبلوغ ذلك، لابد من زيادة التركيز على كل من المرونة وتطوير مجموعة المهارات، وذلك في قطاع يشهد تغييرات متسارعة، لكنه لايزال يرتكز في كثير من الأحيان على ماضيه التقليدي.


الرئيس التنفيذي لمجموعة إينوك

طباعة