مع المستهلك

بين الاحتكار والمنافسة النزيهة

يشير الاحتكار إلى وجود بائع واحد لسلعة معينة في سوق محددة أو مقدم خدمة واحد لخدمة معينة في سوق ما. ويؤدي هذا التحكم الحصري في بيع السلعة أو تقديم الخدمة إلى تعويق المنافسة في السوق.

ورغم أن الاحتكار يزيد من دخل الشركة المحتكرة، إلا أنه قد يؤدي إلى أسعار عالية على المستهلك، إضافة إلى تحديد عدد الخيارات وسيادة القرار بالنسبة للمستهلك.

وهناك ما يسمى باحتكار القلة، حين يتفق عدد من الشركات مع بعضها لتحديد سعر معين، أو السيطرة على السوق بطرق مختلفة، فقد يتم إبرام اتفاقيات مقيدة بين الشركات التي تبيع سلعاً أو تقدم خدمات متشابهة بصورة معلنة أو سرية، للتأثير السلبي في الأسعار، مثل القيام بخفض حجم الإنتاج/‏‏‏‏ البيع من أجل إيجاد حالة مصطنعة في قلة عرض السلعة أو تقديم الخدمة، وبالتالي ارتفاع الأسعار.

ورغم أن الاقتصاديين يقولون إن الاقتصادات تحتاج إلى المنافسة كي تستمر عجلتها في الدوران، انطلاقاً من فرضية خفض الشركات أسعار منتجاتها لتعزيز قدرتها على المنافسة، إلا أن الاحتكار يشكل عاملاً مضاداً للمنافسة الفاعلة والنزيهة.

فمن تداعيات الاحتكار إضعاف المنافسة، وتثبيط عزائم الشركات أو الأشخاص الذين يطمحون إلى تأسيس شركات في المجال نفسه، أو توسيع عمل ومجال شركات قائمة، وبالتالي يستطيع المحتكر الهيمنة والتحكم في الأسعار من خلال عمليات حرق الأسعار ببيع السلع بأسعار منخفضة، قد تصل أحياناً إلى أقل من سعر الكلفة، للهيمنة على السوق، والقضاء على صغار المنافسين، الذين يصعب عليهم الصمود أمام هؤلاء.

كما أن الاحتكار قد يسهم في زيادة التضخم الناتج عن رفع الأسعار، وإضعاف القوة الشرائية لدى المستهلكين.

وقد يشكل الاندماج والاستحواذ للشركات الكبيرة نوعاً من الاحتكار والسيطرة على الأسعار في السوق، ولذلك تضع الجهات الرقابية في الدول شروطاً وقيوداً على بعض الاندماجات التي قد تؤدي إلى قتل أو إضعاف المنافسة النزيهة لسلع أو خدمات محددة في السوق، ما قد يؤدي إلى إنهاك المستهلك بأسعار مرتفعة، وأشكال محددة من الذوق وأساليب الخدمات.

الجدير بالذكر أن الاحتكار بأنواعه ليس ظاهرة جديدة، بل إنه يمتد إلى آلاف السنين عبر التاريخ، ولعل أبرز مظاهره تاريخياً حبس الطعام أو المنفعة حتى غلاء السعر، خصوصاً في ظل عدم توافره بالشكل الكافي، وبالتالي يرتبط الاحتكار في هذه الحالات بظلم المستهلكين، خصوصاً إذا تعلق بالطعام الضروري. وورد أن الإمام مسلم روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم، قوله: «لا يحتكِرُ إِلاَّ خاطِئٌ».

أما في اللغة العربية فإن الاحتكار، وحسب قول أهل اللغة، هو مصدر قولهم «احتكر»، وهو يرجع إلى مادّة «حكر»، التي تدلّ على الحبس والحكرة: حبس الطّعام انتظاراً لغلائه.

وقد تم في دولة الإمارات إصدار القانون الاتحادي (رقم 4) لسنة 2012 بشأن تنظيم المنافسة، الذي يهدف في مادته الثانية إلى حماية وتعزيز المنافسة، ومكافحة الممارسات الاحتكارية، من خلال توفير بيئة محفزة للمنشآت من أجل تعزيز الفاعلية والتنافسية ومصلحة المستهلك، وكذلك من خلال المحافظة على سوق تنافسية محكومة بآليات السوق، بما يتفق مع مبدأ الحرية الاقتصادية، من خلال حظر الاتفاقيات المقيدة، وحظر الأعمال والتصرفات التي تفضي إلى إساءة استغلال وضع مهيمن. وكذلك من خلال مراقبة عمليات التركز الاقتصادي، مثل الاندماج والاستحواذ.

من ناحية أخرى، قد تكون هناك ميزات لاقتصادات الحجم الكبير، ولو كانت احتكارية، مثل بعض الشركات والكيانات الاحتكارية الكبيرة، التي تتمتع بمراكز مالية قوية، حيث تكون لها قدرة أكبر في الاستثمار والمنافسة خارج الدولة الأم، كما أن الشركات والكيانات الكبيرة لها قدرة أكبر في البحوث والدراسات والتطوير والابتكار، شريطة أن تسخّر جزءاً من إمكاناتها في هذا المجال، وأن تستغل مواردها في عظائم الأمور وليس توافهها.

وتستثني قوانين الدول بعض قطاعات الشركات والممارسات الاحتكارية من قوانينها، حسب رؤيتها للمصلحة العامة للدولة، وتقييم إيجابيات وسلبيات السماح أو المنع.

وربما تكون الاستثناءات للشركات ذات الوضع السيادي، مثل شركات النفط أو شركات الخدمات العامة، خصوصاً عظيمة الكلفة، مثل شركات المياه والكهرباء، التي تتكلف بمد الشبكات وإيصال الخدمات. والمفروض أن تراقب الدول أسعار خدمات هذه الشركات، كي لا تؤثر في التضخم، وألا تزيد الأعباء على المستهلكين، خصوصاً ذوي الدخل المحدود والمتوسط.

الاحتكار قد يسهم في زيادة التضخم الناتج عن رفع الأسعار وإضعاف القوة الشرائية للمستهلكين.

مدير إدارة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد

طباعة