القطاع المصرفي ينتهج الحذر ويفضل القروض الشخصية في التعامل معهم

رجـال أعمال: بنـوك تتحفـظ في تمويل توســـعاتنا ومشروعاتنا الجديدة

تعثر الشركات الكبيرة قد يتسبب في تجنيب البنك مخصصات تعادل ربح عام. تصوير: باتريك كاستيلو

قال أصحاب أعمال من التجار والمصنعين إن هناك تشدداً وتحفظاً يصل إلى حد الإحجام من قبل بنوك تجاه تمويل قطاع الأعمال، ما أثر سلباً في أعمالهم ودفعهم إلى تقليص حجم النشاط بسبب عدم توافر السيولة.

وأكدوا أن التحفظ في الإقراض لم يعد قاصراً على قطاع العقار، الذي عانى ركوداً جراء الأزمة المالية، بل تعداه إلى تمويل خطوط تجارية وصناعية ومشروعات خدمية يحتاجها الاقتصاد، متسائلين عن معنى تأكيد مسؤولين في القطاع المصرفي في أكثر من مناسبة أن مستويات السيولة في القطاع المصرفي جيدة، طالما أن الأموال لا تتجه إلى تمويل القطاعات الاقتصادية المختلفة.

تحسن السيولة

بحسب أحدث بيانات للمصرف المركزي، وفي مؤشر على استمرار تحسن السيولة في القطاع المصرفي سجلت شهادات الايداع أعلى مستوى لها منذ أكثر من ثلاث سنوات بقيمة 94 مليار درهم في نهاية ديسمبر الماضي، مقارنة بنحو 92.8 مليار درهم في نهاية نوفمبر الماضي، بارتفاع بلغ 1.2 مليار درهم، ومقابل 71.9 مليار درهم في نهاية ديسمبر .2009

وبحسب الاحصاءات، انخفض إجمالي القروض والسلفيات المقدمة من المصارف العاملة في الدولة إلى تريليون و31.3 مليار درهم مقابل تريليون و40.7 مليار درهم بنهاية نوفمبر الماضي، بتراجع بلغ 9.4 مليارات درهم، ومقابل تريليون و17.7 مليار درهم بنهاية ديسمبر .2009 أي أن إجمالي التسهيلات التي قدمتها البنوك خلال العام الماضي تصل إلى 13.6 مليار درهم منها تسعة مليارات تم توجيهها للقروض الشخصية، مقابل 4.6 مليارات درهم لجميع قطاعات الاقتصاد.

من جهتهم، أفاد مصرفيون بأن البنوك تفضل التركيز في الوقت الراهن على قطاع التجزئة الذي يوفر منتجات متنوعة عوائدها معروفة مسبقاً، سواء بطاقات ائتمان أو تمويلات شخصية، إضافة إلى أن مخاطرها محسوبة ومؤمنة من خلال نسب الفوائد المرتفعة على هذه المنتجات، لافتين إلى أن نمو الاقتصاد لم يعد كالسابق بسبب الأزمة، لذا لا يوجد توسعات في كثير من القطاعات خوفاً من المخاطرة، خصوصاً أن هناك تراجعاً واضحاً في الطلب بالسوق المحلية.

وأشاروا إلى أن تمويل الشركات الكبيرة يكلف البنوك أرباحاً طائلة في حال تعثرت أو تأخرت في سداد الأقساط مدة 90 يوماً، لأن ذلك يعني تجنيب مخصصات ضخمة، لذا لا تمول البنوك أي مشروعات جديدة في الوقت الراهن، إلا وفق شروط مشددة يجب استيفاؤها.

إحجام عن التمويل

وتفصيلاً، قال عضو مجلس إدارة مجموعة «العتيبة»، عتيبة سعيد العتيبة، إن «معظم شركات قطاع الأعمال ذات مسؤولية محدودة، وغالباً ما تكون الضمانات لديها قليلة، لذا بنوك كثيرة تحجم عن تمويلها لضعف الضمانات التي يمكن الاعتماد عليها في حال تعثرت الشركة»، مضيفاً أن «البنوك تفضل منح أصحاب الشركات تمويلات شخصية بضمانات يملكونها بأنفسهم، على أن يمولوا الشركة ككيان».

واستطرد «القطاع العقاري يعد الأكثر تعرضاً لتحدي غياب التمويل، وهذا مفهوم في ظل وجود فائض من الوحدات ينذر بزيادة المعروض، أما أن ينسحب الأمر على بقية القطاعات من تجارة وصناعة وخدمات فهو ما يضع علامة استفهام كبيرة تحتاج إلى تفسير»، لافتاً إلى أن «البنوك حذرة بطريقة مبالغ فيها، ولابد من تحريك عجلة الاقتصاد وتيسير الأمر على رجال الأعمال من خلال الشركات نفسها، وليس عن طريق منح قروض شخصية للمساهمين فيها، لأنه غالباً ما يكون هناك تحفظ على وضع أملاكهم الخاصة كضمانات».

تعقيد وتشديد

من جهته، قال رجل الأعمال، عبدالله الشيبه، إن «البنوك أصبحت تميل أكثر لدعم المشروعات الحكومية، مثل مشروعات صندوق خليفة أو صناديق دعم المشروعات الصغيرة، بينما تتحفظ كثيراً في تمويل المشروعات الخاصة»، موضحاً أن «هناك تعقيدات كبيرة تقابل طلبات التمويل الخاصة، كما أن هناك شروطاً جديدة مبالغ فيها تتعلق بدراسة الجدوى والضمانات المطلوبة، فعلى سبيل المثال، أصبحت البنوك تشترط لتمويل شحنة مستوردة من الخارج أن يكون خطاب الضمان البنكي ممولاً بنسبة تصل إلى 100٪ مقابل نسبة 25٪ في السابق، ما يصعب الأمر كثيراً على رجل الأعمال، إذ إن من البديهيات أنه لو كان رجل الأعمال يملك مالاً يغطي ضماناً بنكياً نسبته 100٪ فإنه لن يلجأ إلى البنك أصلاً».

وقال «الضمانات المطلوبة للتمويل تغيرت كثيراً وأصبحت شبه تعجيزية، فكيف يمكن لرجال الأعمال توسعة نشاطاتهم أو البدء بأخرى جديدة؟»، مشيراً إلى أن «طلبات التمويل التي نقدمها للبنوك بنسبة تراوح بين 70 و75٪ يقابلها موافقة على 20 أو 25٪ فقط، ما يضع أصحاب الشركات في مأزق لتوفير بقية التمويل أو العدول نهائياً عن الصفقة أو المشروع».

وطالب الشيبه البنوك بأهمية التشاور مع رجال الأعمال، خصوصاً المواطنين، لأن لديهم كثيراً من الأفكار المتنوعة التي يحتاج إليها الاقتصاد الوطني ولا تجد الدعم المالي الذي يخرجها إلى النور»، مشيراً إلى أن «البنوك ترفض تمويل مصروفات تأسيس المشروعات الجديدة على أهميتها للشركات، على عكس مصروفات التشغيل التي تفضلها البنوك، والتي يستطيع أصحاب الشركة تدبرها بسهولة».

محدودية التمويل

وبحسب رجل الأعمال، حمد الهاجري، فإن «البنوك تتعامل مع القطاع الصناعي من مفهوم اعتماده على رأس المال الخاص بالمصنعين أنفسهم، ما يجعل فرص التمويل محدودة للغاية، وهو ما يحرم الاقتصاد الوطني من ركيزة مهمة ودعامة قوية للنمو»، موضحاً أن «المنتج المحلي أصبح معروفاً في كثير من الأسواق العالمية، ومع ذلك نجد أن التوسع الصناعي محدود نظراً لعدم تشجيع البنوك وتفضيلها القطاعات سريعة العوائد مثل التمويلات الشخصية».

ولفت إلى وجود تشدد في شروط التمويل يجعل كثيراً من الصانعين يحجمون عن اللجوء إلى البنوك.

انتقائية

من جهته، قال الخبير المصرفي، حسن فهمي، إن «الاقتصاد لم يعد ينمو كالسابق والشركات لا تزيد حجم أعمالها أو تتوسع خوفاً من المخاطرة، لذا يعتقد كثيرون أن البنوك ترفض التمويل، وهذا ليس دقيقاً»، موضحاً أن «البنوك لا تمول المشروعات الجديدة لأن نسب المخاطر بها مرتفعة جداً، إذ تشترط البنوك للتمويل وجود نشاط قائم فعلاً لمدة تسمح بعمل ميزانية تعكس الأداء، إضافة إلى عدد من الشروط الأخرى تتعلق بأهمية المشروع وحجم الطلب عليه وفرص تسويقه».

ولفت إلى أن «البنك يجري دراسة شاملة للشركة قبل منح التمويل، وكأنه شريك حقيقي للعميل».

وأضاف فهمي أن «البنوك تفضل منح أصحاب الشركات تمويلات شخصية بضماناتهم الخاصة، لأن تمويل الشركة ككيان عادة ما يكون بمبالغ كبيرة تصل أحياناً إلى 500 مليون درهم، وفي حال التعثر أو تأخير سداد الأقساط، فقد يكلف ذلك البنك أرباح عام كامل، نظراً لاضطراره لتجنيب مخصصات كبيرة».

وتابع أن «تركيز البنوك على قطاع التجزئة، ممثلاً في منتجات البطاقات والقروض الشخصية والسيارات وغيرها، يرجع إلى أن مخاطرها محدودة، ويتم التحوط تجاه أي تعثرات مستقبلية من خلال وضع أسعار مرتفعة للفائدة عليها».

وفي السياق ذاته، قال الخبير المصرفي، سليمان المزروعي، إن «البنوك تحفظت في التمويل بشكل عام، سواء على مستوى الأفراد أو الشركات، مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة المالية، لكن بالنسبة لقطاع الأعمال هناك أسباب وراء التشدد بالنسبة للشركات»، موضحاً أن «الحصول على التمويل قبل ثلاث سنوات كان سهلاً، نظراً لوجود فوائض كبيرة رغبت البنوك في توظيفها، وكان التركيز الأكبر على القطاع العقاري».

وذكر أن الوضع تغير كثيراً وأصبح التخوف من ظهور أزمات في قطاعات أخرى محل حذر من إدارات البنوك».

وأضاف المزروعي أن «تفضيل القروض الشخصية يرجع إلى أن تمويلها سهل ولا يتطلب دراسات مستفيضة، كما يحدث مع الشركات، إضافة إلى أن الفوائد عليها مرتفعة كما أن مبالغها تكون أصغر مقارنة مع نظيرتها التجارية أو الصناعية، وكلها عوامل تصب في التحفظ على منح تسهيلات لقطاع الأعمال بشكل عام».

وبين أن «إمكانية السيطرة على تعثر الأفراد كبيرة مقابل تعثر الشركات وهو توجه عام لدى إدارات معظم البنوك».

طباعة