شركات وساطة ماليـة تستــدرج ضحايا «الفوركس»

عقود "الفوركس" المحلية تصاغ بطريقة تحمي الشركة وتحمّل العميل الخسارة كاملة. تصوير: مجدي إسكندر

تلقت «الإمارات اليوم» اتصالات هاتفية من عدد من المواطنين، معظمهم نساء، عن تعرضهم لحالات نصب من قبل شركات وساطة مالية، وذلك عقب نشر تحقيق عن عمل شركات تجارة العملات والسلع أو ما يعرف «بتجارة الفوركس»، بلا تشريع منذ قرابة العام، بعد نقل صلاحيات متابعة هذه الشركات من المصرف المركزي إلى هيئة الأوراق المالية والسلع، التي قالت بدورها على لسان مسؤول فيها «إن القانون الذي يمنح الهيئة صلاحيات مراقبة هذه الشركات لم يصدر حتى الآن، وإن الأمر مازال معلقاً بينها وبين المصرف المركزي، وأن التنسيق بينهما جار لحل المشكلات المتعلقة».

فيما أكد المتصلون أن «المركزي» رفض استقبال أية شكاوى منهم على اعتبار أنه لم يعد الجهة المختصة، بينما أكد رئيس مجلس إدارة المصرف المركزي، خليل فولاذي، أن «الشركات المرخصة من قبل المصرف المركزي ما زالت تحت رقابته»، وأوضح مسؤول آخر بالمصرف أنه «يمكن التوجه بالشكوى في حال وجود مخالفات لمقر المصرف الرئيس بأبوظبي».

دورة تدريبية

وتفصيلاً، تحدثت المواطنة عائشة عن تجربتها مع إحدى هذه الشركات قائلة «قرأت إعلاناً عن دورة تدريبية حول قواعد دخول سوق العملات، وكيفية المتاجرة بالسلع مثل الذهب والبترول عن طريق الإنترنت، قامت بنشره شركة للوساطة المالية مقرها دبي، فذهبنا وكنا مجموعة من السيدات مواطنات وعربيات، وبالفعل قامت مدربة تابعة للشركة بتدريبنا على مدار ستة أسابيع، وبعد أن أنهينا الدورة نصحتنا بالمتاجرة بأنفسنا وعدم الاعتماد على وسيط، لكن وسطاء من الشركة أقنعونا بأن نستثمر من خلالهم، مؤكدين أن نسبة المخاطرة تصل إلى صفر٪ وأن الأرباح مضمونة 100 ٪، فقمنا بفتح حسابات بمبالغ مختلفة، فأنا مثلاً وضعت 700 ألف درهم تحت تصرف الشركة وقمت بتوقيع عقد معهم، لا يوجد فيه أي بند عن تحمل الشركة نسبة من الخسارة التي قد تتعرض لها أموالنا، وبدأت تصلنا رسائل وبريد إلكتروني توضح قيمة المبالغ التي كسبناها وتلك التي خسرناها، حتى أبلغونا ذات يوم بأن رصيدنا لديهم بالسالب وعلينا زيادة المبلغ».

وأضافت «بدأت الأمور تتضح عندما طالبنا برؤوس أموالنا فرفضوا، رغم أنهم حققوا مكاسب من وراء المبلغ الخاص بي فقط بلغت 300 ألف درهم، حصيلة عمولات العمليات التي قاموا بها باسمي، وعلى الرغم من مرور قرابة الأشهر السبعة على هذه الواقعة ولجوئنا إلى كل الجهات المعنية، سواء المصرف المركزي أو هيئة الأوراق المالية، إلا أننا لم نجد أية جهة لديها الاستعداد للدفاع عن مصالحنا أو التعاون معنا، حتى أن مسؤولين بالمصرف المركزي رفضوا حتى تسلم شكوانا، فلجأنا إلى محامٍ متخصص بالقضايا المالية، الذي أخبرنا بدوره أن العقود التي وقعنا عليها لا تحمل الشركة أية مسؤولية، وأن مثل هذا النوع من القضايا خاسر لعدم وجود خبراء مختصين تابعين للمحاكم يمكن أن يفهم الأمور الفنية التي تعمل بها هذه الشركات».

وتتساءل عائشة «الشرطة تعاملت مع أصحاب المحافظ الخاصة الذين جمعوا أموال المواطنين والوافدين وتم التحفظ على أموالهم، أليست حالنا شبيهة بتوظيف الأموال الوهمي، فلماذا لا تتدخل الجهات المعنية لإحكام الرقابة على هذه الشركات ومنعها من التغرير بنا، خصوصاً أن الشركة التي تعاملت معها تعمل بدبي منذ سبع سنوات ومرخصة من المصرف المركزي وما زالت تنشر إعلاناتها بالصحف لاستقطاب ضحايا جدد».

مظلة القانون

أما «صفية»، موظفة سودانية، فتحكي تجربتها مع الشركة نفسها، قائلة «كنت ضمن المجموعة التي تدربت، أنا وعدد كبير من المواطنين والمقيمين، الذين تعرضوا لضياع أموالهم في ما بعد، حيث قمت بوضع 10 آلاف دولار، بعد أن أقنعنا وسيط الشركة أن المخاطرة معدومة، وللأسف خسرت المبلغ كله في أسبوع، وعندما طالبت الشركة باسترجاع المبلغ رفضوا أن يتحملوا أية مسؤولية، وأخبرونا أن نلجأ للقضاء لأن العقود التي وقعناها تحملنا المسؤولية كاملة».

وأضافت «نعم ربما أخطأنا في التوقيع على مثل هذه العقود، لكننا رأينا تراخيص الشركة الصادرة من المصرف المركزي ودائرة التنمية الاقتصادية بدبي، وتأكدنا أنها قانونية وتعمل منذ سنوات، لكن للأسف بعد ضياع أموالنا وجدنا أن استغلال العملاء يتم تحت مظلة القانون وحمايته الشركة، وأنا متأكدة من وجود ضحايا كثر في أبوظبي وبقية الإمارات، وليس في دبي وحدها حيث مقر الشركة، لأن لها مندوبين كثراً ولدي استعداد للإدلاء بشهادتي وعرض أوراقي الرسمية أمام أية جهة تحقق في الموضوع، المهم أن استرجع أموالي أنا ومن هم مثلـي».

يذكر أن موظفاً في شركة أخرى لتجارة العملات بدبي، طلب عدم نشر اسمه، صرح في وقت سابق لـ«الإمارات اليوم» بأن واقع هذه التجارة هو «الوهم»، وأن نحو 95٪ من المتعاملين في الشركة التي يعمل بها خسروا كل رأسمالهم في أيام معدودة، وأقصاهم استمر نحو ثلاثة أسابيع، ومنهم من قام برفع دعوى قضائية، لكن عدداً قليلاً جداً منهم ربح دعواه لأن العقد يحمي الشركة بنسبة 100٪ وينص على أن العميل يتحمل كامل الخسارة».

وأضاف: «بعض الشركات تفتح حساباً بـ50 دولاراً فقط، وتعتمد على تجميع أكبر عدد من العملاء، لأنها ببساطة تستولي على هذا المبلغ البسيط من الجميع ليكون ربحها في نهاية العام».

دائرة التنمية و«المركزي»

وفي سياق متصل، أفادت دائرة التنمية الاقتصادية بدبي، على لسان مسؤول فيها «بأن دورها يقتصر على استخراج التراخيص التكميلية، لكن بعد موافقة الجهة المختصة الأصلية، والترخيص لشركات الوساطة المالية تابع للمصرف المركزي، ونحن كدائرة لا نملك حق متابعتهم أو الرقابة عليهم، لكن في حال صدور قرار بوقف نشاط شركة ما يمكن أن تساعد الدائرة الاقتصادية في تنفيذ القرار».

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة المصرف المركزي، خليل فولاذي، أن «الشركات المرخصة من المصرف المركزي تخضع لرقابة مباشرة منه»، فيما أوضح مصدر آخر بالمصرف «أن التراخيص الصادرة من المصرف لشركات الوساطة المالية مازالت تخضع للرقابة من قبله، على الرغم من نقل الصلاحيات لهيئة الأوراق المالية والسلع، ويمكن للمتضررين من أي منها التقدم بشكوى مباشرة لمقر المصرف في أبوظبي».

نقص تشريعي

وعن الجانب القانوني لهذا النوع من القضايا، قال الخبير والمستشار المالي وخبير محاكم دبي ووزارة العدل، صلاح الحليان «يجب أن يتم ضم جميع الخدمات المالية تحت مظلة واحدة كما يحدث في دول العالم المتقدمة، بحيث يتم التشريع لكل ما يستجد من قضايا مالية من الجهة نفسها، والتي يجب أن تكون مسؤولة عن الترخيص للشركات والأفراد العاملين في الوظائف المالية، لأن ما يحدث الآن من تعدد الجهات المسؤولة عن القطاعات المالية والاستثمارية يخلق تضارباً وعدم وضوح في المسؤولية القانونية في حال تعرض المتعاملين لحالات تغرير أو نصب».

وأوضح «الترخيص للأفراد العاملين في الوظائف المالية لابد أن يحظى بالأهمية نفسها، ترخيص الشركات والمؤسسات لأنهم يتعاملون مباشرة مع الجمهور ويقدمون نصائح واستشارات تحتاج تأهيلاً مهنياً خاصاً، ولابد أن تخضع لشروط وضوابط يطال القانون مخالفيها».

وذكر الحليان، أمثلة على غياب الرقابة عن بعض الجهات التي تجمع أموالاً تحت شعار الاستثمار، قائلا «يوجد في أحد المولات بعض الإعلانات تدعو لاستثمار مبلغ 10 آلاف دولار في تجارة العملات من خلال «استاند» من دون وجود أية إشارة عن الشركة التي يتبعها مروجو الإعلان، أو الضمانات التي تحمي المستثمرين من المخاطرة بأموالهم».

وشدد الحليان، على أن «من المهم منع المشكلات المالية من بدايتها، وعدم تركها حتى تصل لساحات القضاء لطول وقت التقاضي، فضلاً عن النقص الشديد في الخبراء المختصين بالقضايا المالية».

مخاطر تداول العملات

ـ تغييرات الأسعار .
ـ انخفاض أو تجاوز الاحتياطي.
ـ التداول عن طريق الاقتراض.
ـ التداول بعملات بلدان ذات اقتصادات غير مستقرة.

شركات وساطة

 يصل عدد شركات الوساطة المالية العاملة في تجارة السلع والعملات والمسجلة لدى هيئة الأوراق المالية والسلع إلى نحو 30 شركة من دون وجود أية بيانات أخرى عنها بحسب موقع الهيئة، فيما تقول إحصاءات غير رسمية: إن قرابة الـ107 وسطاء ماليين وأفرع لشركات موجودون بالدولة.

«الفوركس»

 كلمة «فوركس» تعني باختصار سوق العملات الأجنبية، ويتم فيها بيع وشراء العملات الأساسية، وهي الدولار واليورو والجنيه الإسترليني والفرنك السويسري والين الياباني، وتجمع أربع أسواق إقليمية هي الأسترالية والآسيوية والأوروبية والأميركية وتستمر عمليات المتاجرة فيها كل أيام العمل الأسبوعية على مدار 24 ساعة، وقد تأسست عام 1971، وتعد سوق النقد أو «الفوركس» أكبر سوق بالعالم، وتشمل التبادل بين البنوك الكبرى والبنوك المركزية والمضاربين في العملة والشركات متعددة الجنسية ويصل حجم التجارة اليومية لهذه السوق لثلاثة تريليونات دولار يومياً.  

طباعة