بوتين يستخدم أسلحة اقتصادية خاصة لصد هجمة الغرب

«غزو أوكرانيا» يعزل روسيا اقتصادياً ويقلل من نفوذها الدولي

انتهاك العقود المبرمة يكشف استعداد روسيا لأن تصبح شريكاً تجارياً غير موثوق به. إي.بي.إيه

في الأسابيع التي أعقبت غزو روسيا لأوكرانيا، بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها هجوماً اقتصادياً مضاداً، أدى إلى منع وصول روسيا إلى مئات المليارات من أموالها الخاصة، وأوقف جزءاً كبيراً من تجارتها الدولية، إذ تمت معاقبة أكثر من 1000 شركة ومنظمة وفرد، بما في ذلك مقربين من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، التي وضعتهم العقوبات في مأزق مالي صعب.

أسلحة اقتصادية

لكن بوتين ذكّر العالم الأسبوع الماضي بأن لديه أسلحة اقتصادية خاصة يمكن أن يستخدمها لصد هجمة الغرب، وذلك من خلال إجراءات الحكومة الروسية والبنك المركزي، إذ دفعت سعر الروبل، الذي فقد نصف قيمته، إلى الارتفاع مرة أخرى إلى مستوى ما قبل الغزو.

ثم كان تهديد بوتين بوقف إمدادات الغاز إلى أوروبا، والمطالبة بدفع ثمنه بالروبل، ما أظهر مدى اعتماد قادة في ألمانيا وإيطاليا ودول أخرى على الطاقة الروسية لتشغيل اقتصادات بلدانهم، وهو ما دفع الولايات المتحدة وأوروبا إلى إعفاء صادرات الوقود من العقوبات الصارمة التي فرضت على روسيا في بداية الحرب.

توقف التصدير

وتقول صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية إن 40% من احتياجات الاتحاد الأوروبي من الغاز، وربع نفطه تأتي من روسيا. وحالياً، تحاول ألمانيا تجنب احتمال توقف تصدير الغاز إليها، لكن طلب بوتين المفاجئ بالدفع بالروبل دفع ألمانيا والنمسا إلى تهيئة مواطنيهما لما قد يأتي من خطوات لخفض الاستهلاك، كحالة طوارئ تتعلق بالغاز الطبيعي.

وعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي جو بايدن يخطط للإفراج عن 180 مليون برميل من النفط من احتياطي بلاده على مدى الأشهر الستة المقبلة، وتحويل المزيد من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، فإن ذلك لن يكون كافياً لاستبدال كل ما تزوده روسيا، إذ تمثل صادرات النفط الروسية عادة أكثر من واحد من كل 10 براميل يستهلكها العالم.

تمويل الحرب

وكشف «معهد بروجيل الاقتصادي» في بروكسل، أن روسيا تربح نحو 850 مليون دولار يومياً من مبيعات الطاقة لأوروبا، حيث تساعدها هذه الأموال في تمويل حربها في أوكرانيا والحد من تأثير العقوبات الغربية.

وأضاف أنه وبسبب ارتفاع أسعار الطاقة، فقد ضخت عائدات تصدير الغاز من شركة «غازبروم» الروسية للطاقة نحو 9.3 مليارات دولار في اقتصاد البلاد خلال شهر مارس وحده.

وعلى الرغم من أن الحرب دفعت الغرب إلى خفض الاعتماد على الصادرات الروسية، واقترح تقليل شحنات الغاز الطبيعي بمقدار الثلثين قبل الشتاء المقبل، وإنهائها تماماً بحلول عام 2027، فإن خبراء يقولون إن تلك الأهداف قد تكون مفرطة في الطموح، لأن الانتقال إلى مورّدين آخرين أو اللجوء للطاقة المتجددة سيكون مكلفاً ومؤلماً. وعموماً، قد يصبح الأوروبيون أكثر فقراً وبرودة لبضع سنوات بسبب ارتفاع الأسعار.

الغاز الروسي

لكن النفوذ الروسي المتمثل في امتلاك الغاز، وهو مورد محدود، واستعداد بوتين لاستخدامه الآن، يعني أنه سيكون لديه القليل منه في المستقبل. ويعتقد محللون أن التحركات الأوروبية لتقليل اعتمادها على الطاقة الروسية لها عواقب بعيدة المدى على أوروبا، كما أنها لن تكون تحركاً سهلاً بالنسبة لروسيا أيضاً.

وقال المبعوث الأميركي الخاص السابق في وزارة الخارجية لشؤون الطاقة، ديفيد غولدوين: «انتهى أمر الغاز الروسي». وأضاف: «حتى إذا انتهت الحرب، وجاءت حكومة جديدة في روسيا، فلن يكون هناك عودة لشراء الطاقة من روسيا». كما أفادت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لايين، خلال إعلان خطة الطاقة الجديدة بأنه «لا يمكن الاعتماد على مورد يهدد أوروبا صراحة».

شريك غير موثوق

ليست المخاوف الأمنية هي التطوّر الوحيد الذي قوض مكانة روسيا كمورّد للطاقة على المدى الطويل، لكن ما بدا مفاجئاً للجميع بشأن مطالبة بوتين بالدفع بالروبل، هو انتهاك العقود المبرمة، ويكشف استعداد روسيا لأن تصبح شريكاً تجارياً غير موثوق به.

ركود وعُزلة

تواجه روسيا بالفعل ركوداً عميقاً، ويقدر محللون أن الاقتصاد قد ينكمش بنسبة تصل إلى 20% العام الجاري.

وتكافح روسيا اقتصادياً لمواجهة هذا الركود، إذ أظهر استطلاع لمؤشر «ستاندرد آند بوروز» الدولي لمديري المشتريات في شركات التصنيع الروسية، انخفاضاً حاداً في الإنتاج والتوظيف، فضلاً عن زيادات حادة في الأسعار.

ووفقاً لتحليل «مجموعة كابيتال إيكونوميكس البحثية» في لندن، فإنه وبصرف النظر عن انتهاء الحرب في أوكرانيا، فإنها ستكون أكثر عُزلة اقتصادياً مما كانت عليه منذ عقود، ما يقلل من نفوذها على الاقتصاد الدولي.

طباعة