تناولت أيضا الانتشار الجيواقتصادي لروسيا في أمريكا اللاتينية

دراسة تضئ على استراتيجية القوة العظمى الأمريكية وبعدها الجيواقتصادي

صورة

إذا نسقت الولايات المتحدة واليابان وأوروبا سياستهم، سيحافظون على مكانتهم كممثلين للجزء الأكبر من الاقتصاد العالمي. وستصبح لديهم القدرة على إنشاء نظام عالمي قائم على قواعد يستطيع التحكم في السلوك الصيني. 

هذا ما يتوقعه جوزيف ناي جونيور، أحد المشاركين في «برنامج جوزيف ناي جونيور لمستقبل القوى الاقتصادية و الجيواقتصادي » (JNJ-EP&G) في « مركز دراسة مستقبل الاقتصاد العالمي » (CSGEF) والأستاذ المرموق ذو الإسهامات المتميزة بجامعة هارفارد، والعميد الفخري والسابق لكلية كينيدي للحكومة بجامعة هارفارد، لما سينتج عن استراتيجية منافسة سليمة بين القوى العظمى.

 القوة العظمى
ويرى ناي في ورقة بحثية، تحمل عنوان «استراتيجية القوة العظمى الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية»، أن الاستخفاف يؤدي إلى الرضا، بينما تؤدي المبالغة في التقدير إلى الخوف، وقد يؤدي أي منهما إلى سوء التقدير. ويستند أحد الأسس المنطقية التي يقدمها ناي لاستراتيجية من هذا النوع على فكرة أن الصين ثاني أكبر اقتصاد عالمياً وناتجها المحلي الإجمالي (بأسعار صرف السوق) قد يتجاوز نظيره في الولايات المتحدة الأمريكية بحلول عام 2030.
ويقول ناي: "لكن حتى لو حدث ذلك، فإن دخل الفرد في الصين يظل أقل من ربع مثيله في الولايات المتحدة، وتواجه الصين العديد من المشكلات الاقتصادية والديموغرافية والسياسية. ويتباطأ معدل نموها الاقتصادي وبلغ حجم قوتها العاملة ذروته في عام 2011 ولديها عدد قليل من الحلفاء السياسيين. يمثل هذا التحالف جوهر استراتيجية للتعامل مع صعود الصين."

ومن الجدير بالذكر أن ناي كان مساعداً سابقاً لوزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي، والرئيس السابق لمجلس الاستخبارات الوطني، ونائب وكيل وزارة الخارجية السابق للمساعدة الأمنية والعلوم والتكنولوجيا.

الانتشار الجيواقتصادي 
أحد المواضيع ذات الصلة التي يتناولها المركز هذا الشهر أيضاً هو الانتشار الجيواقتصادي لروسيا في أمريكا اللاتينية. تشرح الأستاذة يانا ليكسيوتينا، الزميلة غير المقيمة في «برنامج مستقبل القوى الاقتصادية والاقتصاد الجغرافي» (EP&G) التابع للمركز، أنه منذ عام 2008 تقريباً وبالتحديد بعد الأزمة الأوكرانية عام 2014، أصبح توسع الوجود الإقليمي في أمريكا اللاتينية أحد أهم أولويات السياسة الخارجية لروسيا.
وقالت ليكسيوتينا: "لقد سعت الدولة الروسية إلى زيادة تواجدها في المنطقة من خلال الأنشطة الدبلوماسية (بما في ذلك زيارات كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين الروس المتكررة للمنطقة) ومبيعات الأسلحة، والدبلوماسية العامة والثقافية، والأنشطة التجارية."
وفقاً لليكسيوتينا، بعد الأزمة الأوكرانية عام 2014، لم تتحقق بعد التوقعات المرتفعة للخبراء ورجال الأعمال الروس بشأن التكثيف المتوقع للعلاقات التجارية والاقتصادية بين روسيا وأمريكا اللاتينية. وكتبت: "بعد نجاح روسيا في بناء نفوذ سياسي في المنطقة، فشلت في توسيع انتشارها الاقتصادي إلى مستوى قوة اقتصادية كبرى في المنطقة".

 أمريكا اللاتينية
واضافت ليكسيوتينا: "لم تتجاوز حصة أمريكا اللاتينية من إجمالي حجم المبادلات التجارية الروسية تاريخياً 2.6 في المائة خلال العقدين الماضيين. بينما ظلت حصة روسيا في حجم المبادلات التجارية لأمريكا اللاتينية أقل من 1 في المائة بشكل ثابت. تلقي هذه الأرقام الضوء على مدى بقاء نطاق التجارة بين روسيا وأمريكا اللاتينية متوسطاً." يُذكر أن ليكسيوتينا أستاذة بكلية العلاقات الدولية بجامعة سانت بطرسبرغ الحكومية في روسيا.


وأحد أبرز إصدارات المركز هذا الشهر هو مستقبل العملات الرقمية للبنوك المركزية باعتبارها نقداً رقمياً: مسألة واليوان الرقمي الصيني للدكتور كريشنا ريدي، الزميل غير المقيم لـ«برنامج مستقبل المال والعملات» (FMC) في المركز. يزعم الدكتور ريدي في الورقة البحثية أن زيادة القوة الاقتصادية والعسكرية للصين من شأنها أن تؤثر على هيمنة الدولار إلى حد ما، ولكن قدرتها على استبدال تلك الهيمنة يظل مختلف عليه. ووفقاً للدكتور ريدي، فإن مدى إمكانية اليوان الرقمي الصيني على ترجيح كفة الميزان لصالح الصين لا يزال غير واضح.
وأضاف الدكتور ريدي أن أكثر من 60 بنكاً مركزياً قد تقصوا العملات الرقمية للبنوك المركزية منذ عام 2014 وأن التقدم متسارع في هذا الشأن، مع دخول بعض مشاريع العملات الرقمية للبنوك المركزية الآن مراحل التنفيذ. وكتب الدكتور ريدي: "المنتج الثانوي الأساسي للاقتصاد الرقمي هو الحجم الهائل للبيانات الشخصية التي تُجمع وتُعالج كمدخلات في النشاط التجاري. مما يثير قضايا حوكمة البيانات وحماية المستهلك والممارسات المناهضة للمنافسة الناشئة عن صوامع البيانات."
 

الاقتصاد العالمي
ويرى محمود شريف محمود، العضو المنتدب لـ«مركز دراسة مستقبل الاقتصاد العالمي»، أنه يمكن إرجاع أهمية الاقتصاد الجغرافي المتزايدة، وفقًا لرائد علم الجيواقتصاد  الحديث، إدوارد لوتواك ، إلى تسارع استخدام الوسائل الاقتصادية كأداة للقوة القومية مقارنةً باستخدام القوة العسكرية. وعلاوةً على ذلك، يتجه صانعو السياسات في الغالب إلى منطق الصراع المبني على السياسات الجيواقتصادية. 
يتفق محمود في الرأي مع خبراء المركز بأن التوافق بين الاقتصاد والجيواقتصاد يشبه توافق السياسة والجغرافية السياسية. ويضيف أن علم الجيواقتصاد يدرس التقسيم "الإنتاجي-الاقتصادي" في منظومة  العلاقات الدولية بين اللاعبين الرئيسيين . يقول شريف: "من المنظور الجيواقتصادي المالي، فإن الجيواقتصاد يدرس كيفية تقسيم العالم إلى مناطق واقاليم مالية، أي اقليم  الدولار الجيواقتصادي ، ومنطقة اليورو الجيواقتصادي ، ومناطق اليوان الجيواقتصادية، والمناطق الجيواقتصادية للعملات الوطنية الأخرى." أما من المنظور الجيواقتصادي للموارد، فإنه يدرس الديناميكيات بين البلدان المنتجة للموارد والبلدان المستهلكة لها. ويضيف: "في جوهره، هو تقسيم العالم بين الدول الموردة للطاقة والدول المستهلكة لها".
وأضاف محمود أنه وفقًا لخبراء CSGEF ، سيتعتمد مستقبل الجيواقتصاد في نظام الاقتصاد العالمي على عدة عوامل . أولاً ، إعادة تنظيم العلاقة ما بين الدول والنظام الدولي الاقتصادي المتعدد الأطراف التي تعكس بشكل أكبر دور الاقتصادات الناشئة. حيث سيتم تحقيق ذلك من خلال إصلاح النظام متعدد الأطراف لصالح القوة الناشئة. ثانيًا ، هناك  إعادة رؤية للعلاقة التي تربط  القوى العالمية والشركات المتعددة الجنسيات نظرا للتطورات الجيوسياسية الأخيرة  حيث تبين  أن أهداف السياسة الخارجية ستأخذ الأسبقية على المصالح الاقتصادية. ثالثًا ، هناك إعادة هيكلة النظام  المالي الدولي كي تلبي  الضرورات الجيوسياسية حيث سيؤدي الصراع  بين القوى الكبرى إلى بلقنة النظام المالي الدولي ، على سبيل المثال لا الحصر الاقليم المالي التابع  D 10 بروز الاقليم المالي التابع ل INSTEX.


وأضاف محمود ان فيما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية ، يعرض خبراء CSGEF ثلاثة سيناريوهات منطقية للوضع  الجيواقتصادي  في عام 2030. أولاً ، سيناريو الوضع الراهن: حيث سيؤدي الى  مشهد جيواقتصادي   يمتاز بيئة تنافسية  شديدة و  عالية من حيث قدراتها الابتكارية  وفيها  تتنافس  الولايات المتحدة والصين بقوة مما يؤدي إلى تآكل النظام الاقتصادي الدولي ويكافح فيها الاتحاد الأوروبي من أجل ان ينجو. ثانيا ،اسوء السيناريوهات ، وفي هذا السيناريو ، تنجذب أوروبا إلى مجال النفوذ الصيني للوصول إلى التقنيات الجديدة. ثالثا  ، أفضل السيناريوهات : سيشهد هذا السيناريو ظهور النظام العالمي التعاوني القائم على القواعد البيئية الخضراء.


يتناول أوتمار إيسنج، كبير الاقتصاديين السابق وعضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي (ECB) والرئيس الحالي لمركز الدراسات المالية، موضوع هل نشهد عودة التضخم؟ والذي يحظى بأهمية بالغة. يقول إيسنج، وهو مؤلف مساهم في «برنامج مستقبل التمويل والبنوك والسياسة النقدية» (FBM) في المركز، أنه لا يتوقع العودة الحتمية للتضخم المرتفع.ومع ذلك، فإنه يعرب عن قلقه بشأن النمو النقدي القوي ومحدداته، بدءاً من عمليات الشراء الضخمة للسندات الحكومية التي تقوم بها البنوك المركزية. وكتب موضحاً: "يبدو أن البنوك المركزية متفائلة للغاية فيما يخص هذا الخطر. كما أنها تتجاهل حالة عدم اليقين المتزايدة في ظل الظروف الحالية، وبالأخص عن طريق إصدار توجيهات مستقبلية تعد باستمرار طويل الأمد لسياسة أسعار الفائدة المنخفضة للغاية وعمليات شراء الأصول المرتفعة."


شاركت باحثة أخرى وجهة نظرها حول موضوع مشكلة التنوع  في مجال الاقتصاد ؛ الدكتورة أليسيا ساسر موديستينو، وهي مؤلفة مساهمة في «برنامج مستقبل انثروبولوجيا الاقتصاد» (FEA) في المركز. ترى الدكتور موديستينو، المدير المساعد لمركز دوكاكيس لسياسات التنمية الحضرية والإقليمية في جامعة نورث إيسترن، أن التمييز ضد النساء والأقليات الممثلة تمثيلاً ناقصاً يجعل مهنة الاقتصاد تكرس تحيزاً خفياً في جمع البيانات وتحليلها مما يؤثر على  على عملية صنع السياسات. وتكتب: "يجب أن يكون الأمر واضحاً الآن أن قوى السوق وحدها لن تحل مشكلة التنوع في مجال الاقتصاد."


تقول الدكتورة موديستينو إن سيسيليا روس، التي عُينت مؤخراً كرئيسة لمجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأمريكي جو بايدن، هي أول شخص غير أبيض ورابع امرأة فقط تشغل هذا المنصب. وكتبت الدكتورة موديستينو: "لقد غيرت روس وزملاؤها أعضاء المجلس التركيب العرقي والجنساني والإيديولوجي لمجلس المستشارين الاقتصاديين وساعدوا في تحويل تركيز السياسة الاقتصادية من الأسواق إلى العمال بينما تتعافى أمريكا من الوباء وتكافح الظلم العنصري وعدم المساواة الاقتصادية. ونتيجة لذلك، فإن بايدن هو أول رئيس للولايات المتحدة يناصر خيار تأمين صحي عام على غرار برنامج ميديكير، ورعاية الأطفال كجزء أساسي من البنية التحتية الوطنية، وحد أدنى للأجور الفيدرالية يبلغ 15 دولاراً في الساعة."


يتناول خوسيه أنطونيو أوكامبو، مدير تخصص التنمية الاقتصادية والسياسية في كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا ووزير المالية السابق لجمهورية كولومبيا ومساعد  الأمين العام السابق للأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية مع توماسو فاتشو، موضوع كيفية الوصول لاتفاق ضريبي عالمي أكثر عدلا عدلاً. يرى أوكامبو أن الاتفاق الأخير الذي توصلت إليه 131 دولة لإصلاح الضرائب المفروضة على الشركات الدولية ليس نهاية الطريق. ويوضح أوكامبو قائلاً: "لتحقيق نتيجة أكثر إنصافاً، يجب على الدول النامية في الوقت الحالي أن تضغط في سبيل رفع معدل الضريبة العالمي الأدنى وإعادة تخصيص أكبر للحقوق الضريبية ورفض التحكيم الإلزامي."


وفقًا لأوكامبو، يعكس الاتفاق الضريبي الجديد اختلالات علاقات القوة العالمية. يقول أوكامبو: "وافقت معظم الدولة النامية على الاتفاق وهي في معضلة بين قبوله كما هو ورفضه، على الرغم من التحفظات الواسعة. لكن بضع الدول - بما فيها نيجيريا وكينيا وسريلانكا - لم تشترك. حتى أن بعض من هذه الدول شدد على أن المفاوضات لم تنته." ويضيف أن هذا قد يكون له تأثير على نظام ضرائب الشركات في العديد من الملاذات الآمنة في الاقتصادات الناشئة.
يذكر أن أوكامبو وفاتشو يساهمان في «برنامج مستقبل التمويل والبنوك والسياسة النقدية» (FBM) في المركز.

يوضح الدكتور داميان والاس، الزميل غير المقيم في «برنامج مستقبل التمويل والبنوك والسياسة النقدية» (FBM)، أن رأس المال المخاطر المدعوم من الحكومة (GVC) ليس، بمفرده، طريقة مفيدة بشكل محدد في تحقيق النتائج المتوقعة من رأس المال المخاطر. يقول دكتور والاس: "لقد ثبت أن رأس المال المخاطر المدعوم من الحكومة جنباً إلى جنب مع المصادر التقليدية لرأس المال المخاطر هي طريقة أفضل بكثير لتحقيق النتائج المرجوة." تسلط ورقته البحثية – المنشورة تحت عنوان مستقبل صناعة الاستثمار الملائكي: مسألة الحكومة كمستثمر ملائكي - الضوء أيضاً على ضرورة ألا تفسد الحكومة هدف الشركة الممولة من خلال نفوذها. 

طباعة