5 دقائق
وداعاً يا رمضان
ودعنا شهر رمضان بالأمس وداع وامق مفارق، يملؤ قلوبنا الأسى على نسمات هذا الشهر الكريم الإيمانية والروحية، والتلاوات القرآنية، والدعوات الضارعة لرب البرية، على الصفاء النفسي، والإخاء الإيماني، والعطف الإنساني، على الصيام والقيام، على التلذذ بالعبادة مع الجماعة، والوصال للأهل والأقارب والأباعد، أسى على أنا لم نزدد من هذه الفضائل؛ لأنها قلما تعود، وقلما نوفق لمثلها في غير هذا الشهر الذي أعاننا الله فيه على الخيرات بتغليل مردة الشياطين الذين يضلون السبيل، أسى لا يُذهب أثرَه إلا لوعة العيد، وفضل الله المزيد، لخلقه العبيد، فضل الله تعالى الذي لا يتسع له العد، ولا يكون في غيره ذلك المد، شهر خصصنا به من بين الناس، ليكون لنا رصيدا لآخرتنا، وزادا لنا في حياتنا وآخرتنا. أمضينا نهاره في الصيام والمراقبة لله ربنا الرحيم، وليله في الإخبات لوجهه الكريم، وقد أخبرنا سبحانه أن ثمرة هذا الشهر هي الوصول إلى مرتبة التقوى التي لا ينالها إلا المقربون، فهل يا ترى أدركنا هذه الثمرة، فتحلينا بالتقوى وكنا من أهلها؟ سؤال يحتاج من كل واحد منا أن يعيد النظر في صفحات نفسه ليقرأ الجواب ويعرف الصواب، فإن كان قد تحلى بها فأنعم وأكرم، فهو من الفائزين، وليحافظ على مِنة الله تعالى عليه، وإن كان قد أخفق فمضمار السباق لم ينته بعد، بل أمده بقية عمره، ولن يعجزه أن يكون سابقا أو مصليا. إن وداعنا لهذا الشهر لا يعني طي صفحته المضيئة، كما قال الشاعر:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
بل مفارقته لنا تعني أننا قد تخرجنا في مدرسته الراقية النموذجية بنجاح، وذلك يعني أن نحافظ على مقومات النجاح التي نلنا بها شهادة التفوق، وجائزة الجواد الكريم سبحانه الذي ينادي مناديه يوم العيد: «ألا إن ربكم قد غفر لكم، فارجعوا راشدين إلى رحالكم، فهو يوم الجائزة، ويسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة»،
حسرتنا على مفارقته تعني أنه غير مرغوب عنه، فلا نهجره بالنسيان، بل من دلائل محبتنا له أن نتبعه بصيام ست من شوال، أن نتزكى به بصيام الإثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، أن نتنفل به ما ستطعنا، أن نكفر به عن خطايانا من الحنث في الأيمان، أو معاصي إن كان أحد قد ألمَّ بها، فكفارة اليمين صيام عند العجز عن الإطعام، وكفارة الفطر من نهار رمضان عمدا صيام شهرين متتابعين، ومثلها كفارة الظهار الذي هو منكر من القول وزور، ومثله كفارة القتل خطأ أو عمدا، وكفارة التقصير في النسك بترك واجب أو فعل محظور صيام أو صدقة أو نسك، وأحيانا يكون الترتيب واجباً.. جعل الشارع الكريم الصيام دواء لهذه الأدواء، ليزداد به المؤمن عند الله زلفى، وله القربى، لأنه يزكي الأخلاق ويطهر النفوس، ويدني الصائم من حضرة مولاه لصدق معاملته معه وتعبده له، فيجزيه جزاءً غير مجذوذ «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، إذاً فنحن لم نودع من الصيام إلا موسمه وشهره الذي كان ظرفا لتنزل القرآن، لكن تلاوتنا له لا تنقطع بتوديع موسمه وشهره، بل هو بين أيدينا نقرؤه آناء الليل وأطراف النهار، لأنه العهد الذي بيننا وبين ربنا سبحانه.
كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي
لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .