أبواب
فائضون عن الحاجة! ربما
أخشى بعد وقت قصير أن يصبح الكتاب والأدباء والشعراء أشخاصاً عاطلين عن العمل، أو فائضين عن الحاجة، في مجتمعات تعيش منذ قرن وأكثر، مأزق التشكل الاجتماعي.
أخشى أن يضيق الهامش الذي يتحركون فيه، ليلفظهم المجتمع أو يلفظون أنفسهم حين يستشعرون بأنهم كائنات لا تقدم ولا تؤخر في عملية التشكل الجارية.
قبل يومين قرأت مقالة قصيرة للراحل محمد طمليه يتحدث فيها عن رجل يقول ذلك، ويسأل زوجته بين جملة وأخرى عن «الطبخ».
يقول طمليه: إنني رجل فائض عن الحاجة.
والفائضون عن الحاجة عادة هم المهمشون والذاهبون بعيداً في النسيان، في ظل وحشية العولمة التي أكلت الأخضر واليابس في مجتمعاتنا الفقيرة.
والفائض عن الحاجة شخص لا دور له في عملية بناء المجتمع، وهو ما ينطبق على الكتاب والأدباء والشعراء. فلا أحد في وسعه القول إن القصائد والقصص والروايات قادرة على مزاحمة السلاح والعقائد المصمتة التي تقرر شؤون الناس وأحوالهم. ولا أحد في وسعه القول إن القصيدة قادرة على الوقوف في وجه فتوى قد تكون صائبة وقد لا تكون.. قد تكون منسجمة مع الدين واعتداله وقد تكون موغلة في التطرف.
القصائد والقصص والروايات هي مصدر أساسي ورئيس من مصادر المعرفة. ولكن هذا المصدر لا يتاح له أن يتدفق في ظل عقائد أقوى وأشد تأثيراً.
كانت أوروبا تعيش في عصور الظلام تحت هيمنة الكنيسة وسطوتها، وكانت كلها مختطفة بقبضات رجال الدين وأفكارهم التي ادعوا أنها تمثل الله على الأرض. فكان أن سقطت أوروبا في الظلام والحروب والفتن والتطاحن والتخلف إلى أن بدأ عصر النهضة الذي توج بالقطيعة المعرفية بين الكثلكة والدولة. حينها فقط تمكن الناس من بناء مجتمع يحكمه القانون، وتتحقق فيه كينونة الفرد.
في مجتمعات كهذه يصبح الأدب مصدراً حقيقياً لإثراء النفس البشرية، ولإعلاء القيم الإنسانية الرفيعة، من دون أن تتحكم فيه أهواء رجال الدين وميولهم السياسية ومصالحهم الاقتصادية.
وبالعودة إلينا نحن معشر الشعراء والقصاصين والروائيين، فإنه لمن المحزن أن يشعر الواحد منا أنه شخص فائض عن الحاجة. كنا نعرف جيداً أننا مهمشون في مجتمعاتنا، أما أن نصبح فائضين عن الحاجة، فتلك نبوءة محمد طمليه، الذي كان يرى أبعد مما نرى. لقد كتب طمليه هذا الكلام قبل صدور كتاب تودوروف «الأدب في خطر»، وهو الكتاب الذي مازالت أصداؤه تقرع في عقول المهتمين والمتابعين للشأن الأدبي. لكن طمليه كان أكثر قسوة وهو يصفنا بأشخاص فائضين عن الحاجة. كان يمكن أن نظل حبيسي هامشنا الضيق، وكان يمكن أن نشعر بعزلتنا تزداد يوماً بعد آخر، أما أن يصل الأمر إلى كوننا فائضين عن الحاجة، فذلك أقسى ما نوصف به، ولكنه ربما يستمد قسوته من صدقه وحقيقته الموضوعية.
لكنني، وعلى الرغم من ذلك كله، وربما يكون من قبيل عدم التسليم بالهزيمة، مازلت متمسكاً براية الأدب بأجناسه كلها، بل وبالفنون على اختلاف أنواعها، لأنني لا أستطيع أن أتخيل ولو للحظة عابرة، أن هنالك مجتمعاً مهما كان متخلفاً، يصح أن نجرده من الآداب والفنون، أياً كانت الحقائق الموضوعية قوية وقاسية وفيها الكثير من الصواب.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .