كل يوم

السلوك أم الكلمات!

سامي الريامي

ردود الفعل حول مقال أمس، عن المصارف الإسلامية، كانت بالنسبة لي متوقعة، فالحديث عن استغلال الدين والمتاجرة به، هو دخول في عش المحظورات، ومن أجل ذلك تحديداً تعاظمت أرباح المصارف التي تزين اسمها بكلمة «إسلامي»، لأنها أضفت على نفسها غطاء شرعياً يجعلها تفعل ما تشاء، من دون التفكير في مغبة ذلك، فلن يجرؤ أحد على الطعن في تلك الإجراءات، لأنها كما يقولون «إسلامية»!

بالتأكيد لا علاقة أبداً بين انتقاد المصارف الإسلامية كتعاملات، وبين الدين الإسلامي الذي نؤمن به، ونلتزم بتعاليمه، ونفخر دائماً به وبكوننا مسلمين، ومن يخلط بين هذين الأمرين، فهو يستبعد تماماً لغة العقل، التي شرفنا بها الخالق، وحثنا الإسلام دائماً وأبداً على استخدامها الاستخدام الأمثل في كل شيء.

والعقل هنا يؤكد أن لا فرق أبداً بين التعاملات البنكية العادية والإسلامية، من حيث المبالغة في الرسوم، ولا أتحدث عن أي شيء آخر، فالمصارف الإسلامية تتضاعف رسومها وأرباحها عن بقية البنوك في معظم المعاملات، وهذا واقع لا يمكن إنكاره، والأمثلة على ذلك كثيرة، فأين مبدأ التراحم، وعدم استغلال حاجة الناس؟ وأين المبادئ الإسلامية الأخرى كافة؟ وإن كانت هذه الأمور موجودة أصلاً، فهل سيظل المصرف يمارس دوره بنكاً تجارياً، ويحقق أرباحاً أيضاً؟!

لم أقل أبداً إن المرابحة هي ذاتها الفائدة الربوية، كما فسر البعض، لكني ذكرت أن المبلغ الذي يدفعه المقترض كمرابحة يفوق كثيراً ما يدفعه كفائدة، فهل المبادئ الإسلامية تقوم فقط على الكلمات والتلاعب بها، أم أن مبادئ الإسلام تقوم على السلوك؟ والسلوك هنا يحتم عدم المبالغة في فوائد المرابحة بالدرجة التي تطغى على فوائد البنوك الأخرى.

لم أطلب من أحد ترك المصارف الإسلامية والتوجه إلى الأخرى، ولا أروج للبنوك الربوية، فلست رئيساً لمجلس إدارة أحدها، ومتأكد تماماً أننا جميعاً كمسلمين نتحرى الحلال، من خلال الحلول التي تقدمها المصارف الإسلامية، لكن عندما نشعر بأن هذا الفعل يواجه برد فعل سلبي من المصارف، يهدف إلى استغلال حاجة الناس، وأخذ أموالهم بغير حق، وفرض رسوم مشابهة تفرضها بقية البنوك على جميع التعاملات بما فيها السداد المبكر للقرض، فإن ذلك يستوجب التنبيه، فمن أين يا ترى جاءت فتوى جواز أخذ مبالغ إضافية عن إنسان دفع إجمالي القرض المتبقى عليه قبل موعده!

لست متحاملاً على المصارف الإسلامية، وأطلب من الجميع أخذ نظرة سريعة على التعاملات ورسومها والفرق في نسب الأرباح، وكيفية احتسابها، وينظر بعين فاحصة إلى طريقة البيع والشراء «الوهمية» التي تتم في غرفة واحدة، وخلف جهاز آلي، للحديد والأسمنت والسكر والشاي والبطيخ، ثم يسأل نفسه السؤال التالي: هل التحريم في الإسلام جاء بناء على معاني الكلمات، أم هو تحريم سلوك فيه ضرر واضح، واستغلال مكشوف لحاجة الناس؟!

لست فقيهاً، ولم أحرم وأحلل شيئاً، لكني كمسلم أؤمن تماماً بأن الإسلام حرم تماماً إلحاق الضرر بالمحتاج، فإن كان البعض حرم التدخين تحت قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، فمن باب أولى تحريم إخضاع الفقير والمحتاج لعمليات يدفع من خلالها من ماله ومال أولاده لمصلحة المصرف «الإسلامي»، ضعف ما قد يدفعه في بنك آخر!

reyami@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

تويتر