من المجالس
قانون المال
الطب صار باباً واسعاً لجني الأرباح، وتجارة الدواء زايدت على تجارة المخدرات في تحقيق الأرباح، والتعليم أصبح ميداناً واسعاً لجمع الثروات، والرياضة لم تعد فقط وسيلة لإعداد الجسم السليم لضمان سلامة العقول، وتجاوزت فضاء النجومية وعالم الشهرة إلى صالات المزادات والمزايدات في هدر الثروات. ووسط ملعب المال يقف الطبيب والصيدلي والمعلم والرياضي نماذج لثقافة الربح التي فرضتها الرأسمالية عندما وصلت إلى مستوياتها المتوحشة.
ليس ذلك فقط، بل حتى المؤسسات الحكومية في أكثر بقاع الدنيا صارت تقيس مشروعاتها بمعيار الربحية، وترهن الكثير من خدماتها التي تقدمها للجمهور بعامل العائد المالي من خلال فرض الضرائب واختراع الرسوم. المهم أن تكون العوائد كبيرة أو على الأقل مجدية. ووسط هذا الهوس الربحي تراجع الحس الإنساني، وكاد يختفي مفهوم المسؤولية الاجتماعية، وفقد مصطلح « غير الرابحة » معظم بريقه حتى كاد ينطفئ.
حتى في الإعلام، وهو أحد أكبر مصادر صناعة المال، هناك مؤسسات إعلامية كبيرة غير رابحة تستمد ميزانياتها من أموال دافعي الضرائب أو التبرعات المفتوحة من جمهورها، لكي تحافظ على استقلاليتها، خصوصاً في مواجهة هيمنة المعلنين. ولكن في زمن هيمنة المال وسيادة ثقافة الربحية انحنت هذه المؤسسات للعاصفة، وتنازلت عن مبادئها بعد أن انفض جمهورها المثقل بأعباء فواتير طلاب الربح من حولها، واضطرت للسير في ركب صناع الثروة.
لذلك أصبح الفساد هو الحاضر الأقوى في معظم ميادين الحياة، واختلطت الأمور بين الجميل والقبيح، وتراجع الإنسان كقيمة بذاته ليتقدم أصحاب الثروات وصناع الأرباح الصفوف، وليصبح الخطأ صواباً والصواب مثالية « ما توكل خبز ».
لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .