5 دقائق

الدين المعاملة

*كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

اشتهر على ألسنة الناس قولهم: الدين المعاملة، على أنه حديث مرفوع، وليس كذلك، بل هو مما اشتهر على ألسنتهم مما ليس له أصل، والأحاديث المشتهرة من هذا النوع كثيرة، إلا أن منها ما يصلح أن يكون حكمة بليغة، كهذه المقولة التي هي صحيحة مبنى ومعنى، فإن التدين ليس مقصوراً على أداء المفترضات من الصلوات والزكوات والصيام وحج بيت الله الحرام.. بل هناك مفترضات أخرى لا تقل أهمية عن الشعائر الدينية المعروفة؛ إنها المعاملة الصادقة للناس الخالية عن الغش والخيانة، والنصيحة لهم القائمة على الصدق والوفاء، والعدل بينهم القائم على إيصال الحق ومنع الجور، وحفظ أعراضهم ودمائهم القائم على العفة في القول والفعل، وهذا ما يدل عليه الحديث الشريف: «اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما»». وفي رواية: «من يأخذ مني خمس خصال فيعمل بهن، أو يعلمهن من يَعمل بهن؟ قال أبوهريرة رضي الله تعالى عنه: أنا يا رسول الله. قال: فأخذ بيدي فعدهن فيها..»، فذكر الحديث.

فهذا النص النبوي فيه توسيع لمفهوم العبادة الشامل، ليتنافس فيها المتنافسون تقرباً لربهم؛ لما فيها من تحقيق العبودية الكاملة لله التي هي عز المؤمن في الدنيا والآخرة، وحتى لا يخطئوا هذا المفهوم التعبدي فيقعوا في الموبقات وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً بعبادة لا روح فيها ولا تنهى عن الفحشاء والمنكر ولا تهدي للتي هي أقوم، فالعبادة لله تعالى باتقاء المحارم من أرقى معاني العبودية؛ لما تعنيه من خشيته سبحانه وتعالى في الغيب والشهادة، وأداء الحقوق لأصحابها، ولا يكون حاملاً ظلماً فيخيب عند لقاء ربه، ولا يكون له ولا نصير من عذابه وأخذه. فكلا الروايتين للحديث السابق تدلان على عظم اتقاء المحارم، وأن هذا الاتقاء هو الذروة في العبادة لله رب العالمين، وما ذلك إلا لخطورة العقاب الإلهي لانتهاك المحارم الخاصة أو العامة، لاسيما التبعات، أي حقوق العباد، التي جُبلت النفوس على المشاحة فيها واستقصائها، والحق سبحانه وتعالى لم يحمل الناس على ترك حقوقهم، بل أعطى كل إنسان الحق الكامل في استقصاء حقه من غير وكس ولا شطط؛ لأنه أقام الدنيا والآخرة على العدل، ودخول الجنة على الفضل، فمن استقصى حقه في الدنيا لم يمنعه منه، بل مكنه منه، وأيده عليه، وخذل ظالمه، وعجل له العقاب، وشدة العتاب، وما يكون له عند الله من ولي ولا نصير، ما دام أن خصمه يطالبه بمظلمة في نفس أو مال أو عرض، وقد ورد أن الحج الذي يهدم ما قبله يأتي عند هذه التبعات فيعجز عن تجاوزها لولا تفضل الله تعالى في ليلة المشعر الحرام كما ورد، فأين المتبصرون الذين يخشون اليوم الذي يقول فيه الحق سبحانه: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَي الْقَيومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا}. وورد أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن قُتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال: «نعم، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك»، هكذا هي حقوق الناس عند الله، فأين المفكرون؟

كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تويتر