من المجالس

عادل محمد الراشد

أعجبتني ملاحظة ساقها أحد الدعاة الشباب حول موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد لاحظ الرجل أن تركيز أكثر الدعاة والعلماء والتربويين وحتى أولياء الأمور منصب على الشق الثاني من المعادلة، الخاص بالنهي عن المنكر. ثم تساءل: أين الأمر بالمعروف؟ ملاحظة لم تكن في الحسبان، ربما بالنسبة لي على الأقل. فنحن جميعاً ننشغل بالمنكر، ونبحث في كل مكان عن أدوات الردع ومقولات التقريع، ونفتش في أبواب الترهيب والزجر والتخويف، وربما بالغنا في التحذير والتهديد، حتى إن أحاديث بعض المختصين بالدعوة أو التربية والتعليم ربما نسيت الجانب الآخر في المعادلة، وغفلت عن البشارات ومكامن الترغيب في الأمر بالمعروف، ومعاني كلمة المعروف، وأبواب المعروف، وميادين العمل بالمعروف، وثمار هذا العمل. بمعنى آخر.. كأن الرجل أطلق دعوة لإعادة التوازن بين شقي المعادلة، بإظهار الدعوة إلى المعروف من دون تفريط في النهي عن المنكر، وكأنه أراد التأكيد على العلاقة الوثيقة بين كلمة «المعروف» والتفاؤل والأريحية التي أسس لها دين الإسلام، منذ أن نزل على نبي الهدى صلى الله عليه وسلم، بالتأكيد على أنه لم يرسل إلا رحمة للعالمين، وما جاء إلا ليتمم مكارم الأخلاق. فكان المعروف وتعميمه وترسيخ ثقافته هو المقدمة التي تصدرت رسالة الإسلام المهداة إلى العالمين جميعاً. في هذا العصر، ضاقت القلوب كثيراً، وتشابكت المعاني، واختلطت الأمور على الناس، وزاد الغبش، واتسعت المذاهب، وماع الكثير من الخطوط، فساح هذا على ذاك، فازداد الضنك، على الرغم من رحابة الأمكنة، وصار الناس يبحثون عن البشائر، وينشدون التفاؤل، ويفتشون عن مواجهة المنكر بالفرار إلى المعروف، وذلك كان هو الدواء الذي أوجد العلاج لأدران المنكر التي كانت تسكن المجتمع قبل ظهور البعثة. في خانة المعروف قوائم ربما لا تسعها كتب ومجلدات.. تبدأ بصلة الأرحام، وربما لا تنتهي عند إماطة الأذى عن الطريق، والمزيد من كشف المعاني لهذه القوائم ربما أغنى الدعوة والدعاة عن إعطاء المزيد من أوقاتهم لموضوع النهي عن المنكر، وخفف من درجة التجهم التي ألبسها البعض للدين، وزاد من رحابة فضاء الدعوة على مبدأ «بشروا ولا تنفروا».

adel.m.alrashed@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

تويتر