كل يوم
ممارسات بسيطة لكنها ثمينة..
قد يعتبرها البعض أشياء صغيرة، لكنها ليست كذلك أبداً، عندما تُعمم وتنتشر وتصبح نمطاً للحياة العامة، والشيء البسيط لن يظل بسيطاً لو أصبح هدفاً لمجتمع بأسره، أو لمدينة كاملة، ولو كان ممارسة عامة يسلكها شعب كامل.
هذا ما يلحظه الزائر للدول الأوروبية في مجال ترشيد الطاقة، والمحافظة على البيئة، ومعرفة قيمة الطاقة الكهربائية، وبالتالي الحفاظ عليها قدر الإمكان.
قد يكون استخدام «تايمر» صغير في دورة مياه، يطفئ الضوء تلقائياً بعد أربع أو خمس دقائق، أمراً لا يستسيغه كثيرون، لكننا حين نعرف أن جميع دورات المياه في مدينة كاملة، بل في مملكة كاملة بحجم إسبانيا مثلاً، يقطنها 46 مليون نسمة، عدا ملايين السياح الذين يقصدونها سنوياً، تستخدم ذلك «التايمر» لإطفاء الأنوار تلقائياً، بعد خروج الشخص من الحمام، سواء كان ذلك الحمام في مقهى أو مطعم أو في مركز تجاري أو فندق أو حتى منزل، فلكم أن تتخيلوا حجم الطاقة الكهربائية التي تم ترشيدها، بهذا الفعل البسيط جداً، في مقابل ذلك، تخيلوا حجم الطاقة المهدرة التي نستنزفها هنا مثلاً، بسبب إضاءة كل شيء، طوال الليل، وفي أجزاء طويلة جداً من ساعات النهار أيضاً!
هم يفعلون ذلك، ليس لأنهم مُجبرون، لكنه نمط حياتهم القائم على ثقافة احترام المدينة، وترشيد الطاقة، والاهتمام بالبيئة، وبرغبة شديدة منهم في ديمومة هذه الطاقة وهذه البيئة من أجل حياة أفضل لأبنائهم وأبناء أبنائهم، ونحن أيضاً نشعل الأضواء ونهدر الطاقة، لأننا لا نعرف قيمتها، ونعيش نمط حياة قائماً على الاستهلاك ولا شيء غيره!
تفاصيل كثيرة في حياة الأوروبيين اليومية، جميعها تصب في خانة الوعي الشديد بأهمية الحفاظ على الطاقة، واستخدام الطاقة البديلة قدر الإمكان، وفي الغالب هي تفاصيل بسيطة جداً، وغير مكلفة، لكنها تؤدي من دون شك إلى توفير مبالغ ضخمة، والأهم من المال توفير الطاقة وضمان استمراريتها!
استخدام أشعة الشمس ليس من أجل الطاقة الشمسية فقط، بل من أجل أن تكون بديلاً للمصابيح في ساعات النهار، فمعظم المطارات والمراكز التجارية مصممة بأشكال حديثة، وبفتحات وشرائح زجاجية مدروسة بعناية تجذب نور الشمس وتوزعه في المبنى، مهما كانت ضخامته، فلا يحتاج معها إلى أي مصابيح، أو إنارة كهربائية نهاراً، وأعتقد أن ذلك ليس اكتشافاً خطيراً، لكننا نصر على إشعال جميع المصابيح، والإضاءات، ونتفنن في الجمع بين أشكالها، والزج بأعداد لا حصر لها لإضاءة جميع مرافقنا نهاراً قبل الليل!
الأكياس البلاستيكية مثال آخر، فلقد أصبحت عندهم مثل الآفة، والمرض المعدي، الذي يحاول الإنسان الابتعاد عنه بأية وسيلة، لدرجة أن عدداً كبيراً من المحال التجارية بدأ يعيد تصنيع أوراق الصحف، «البايتة» طبعاً، كأكياس حقيقية لحمل البضائع الخفيفة، كالملبوسات والإكسسوارات وغيرها، فكرة بسيطة لكنها في غاية الروعة، المهم هو الهدف من الكيس لا شكل الكيس، وفي النهاية مهما كان هذا الكيس فمصيره في سلة القمامة، ومن أجل ذلك عزفوا عن استخدام الأكياس البلاستيكية بعدما عرفوا ضررها، ولأن البيئة هي أم الجميع، كما يعتقدون، فلا مانع لديهم من التنازل عن أي شيء لمصلحة بقائها نظيفة تنبض بالحياة!