اختراع القداسة

يوسف ضمرة


تشكك غالبية العلماء والمؤرخين الآن، في الروايات التوراتية. وقد أخذت هذه الروايات والحكايات والأساطير قسطاً وافراً من جهود البحث العلمي في التاريخ والأركولوجيا.


وقبل أيام قليلة خرج عالمان يهوديان «إسرائيليان» بدراسة تؤكد عدم صحة الكثير مما ورد في التوراة، خصوصاً قصة الخروج من مصر، والوجود العبري كله في مصر.


وإذا كنا أشرنا إلى ذلك من قبل في دراسات موثّقة، وقلنا إن الخروج من مصر اختراع يهودي في حقبة السبي، ما جعل موسى شبيهاً بسرجون الأكادي، حتى في ولادته، فإن لهذه الدراسة الجديدة وقعاً آخر؛ كونها يهودية بامتياز.


لن نخوض في هذا الموضوع، وليس الهدف من وراء هذا المقال تأييد هذه الدراسة أو نفيها. ولكن الهدف شيء آخر تماماً.


فحين وجدت قبائل العبرانيين البدوية نفسها تنتصر على التجمع السكاني الزراعي في ساحل فلسطين، وتستقر بعض الشيء هناك، كانت التجمعات من حولها تمتلك إرثاً مقدساً تتباهى به، وتقيم طقوس إحيائه السنوية، ما يجعلها قبائل ذات صلة بالتاريخ القديم والمقدس. وهو ما جعل العبرانيين يفكرون في اختراع تاريخ مقدس لهم. ولم يتسن لهم ذلك جيداً قبل مرحلة السبي البابلي، حيث أنجزوا كتابة التوراة.


نفهم أن تقوم القبائل العبرانية آنذاك بهذا العمل، الذي يشكل رابطاً لها بالأرض والتاريخ الإقليمي والثقافة الجغرافية. ويساويها بالقبائل والتجمعات السكانية المحيطة في الإقليم نفسه. ولكن ما لا نفهمه اليوم، هو محاولات بعض الكتّاب والباحثين العرب في كثير من الأقطار العربية، اختراع تاريخ قطري مقدس!


فبعد هزيمة المشروع القومي وتفككه، وصعود الدويلات القطرية، والبحث عن فضاءات خاصة بكل قطر، أخذنا نتلمس هذا البحث المحموم عن تاريخ قطري مقدس. وقد تصاعد هذا البحث أخيراً، فعلت نغمة الفرعونية في مصر، والكنعانية في فلسطين، والفينيقية في لبنان، والأنباط في الأردن.


وإذا كانت مرت على هذا الإقليم قبائل بدوية وزراعية تمتلك إرثاً أسطورياً مقدساً، فإن هذا لا يعني أننا في هذا الإقليم امتداد لتلك القبائل، ثقافياً وجينياً. فنحن لسنا سوى جزء من الأمة العربية الإسلامية، وهي الأمة الوحيدة التي تمكنت من توحيد هذا الإقليم ثقافياً وسياسياً ذات يوم، لا على الطريقة الاستعمارية الرومانية، أو غيرها.

 

إن التمعن في هذه الظاهرة التي كلما خيل إلينا أنها اندثرت، سرعان ما ترفع رأسها وتطل من جديد، يجعلنا نتوقف بالضرورة عند ما تشعر به الدولة القطرية من عزلة وانكماش، خصوصاً في ظل انتشار ثقافة العولمة، وفي ظل التكتلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي أخذت تنهض بعد هيمنة النظام العالمي ذي القطب الواحد عقدين من السنوات.


تدرك الدولة القطرية الآن، أنها مهددة. وهذا التهديد لا يعني الزوال تماماً ككيان سياسي، بمقدار ما يعني الذوبان كهوية ثقافية، وقوة كيانية مستقلة ذات سيادة مطلقة. وهي في هذا السياق أخذت تلجأ إلى محاولات تجذير ذاتها، بوصفها أمة تاريخية لها من القداسة ما تظن أنه سيشكل درعاً يقيها التحولات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة. وهي التحولات التي سرعان ما سوف تمتد كقوة مؤثرة، وتتلاعب في الجغرافيا الثقافية للأقاليم، ناهيك عن المكانة السياسية التي سوف تتلاشى، أو تتقزم لتغدو مجرد شكل ليس إلا.                       

damra1953@yahoo.com  
تويتر