الإمارات اليوم

أول تجربة إخراجية لآرون سوركين

«لعبة مولي».. نص جيد وفيلم يعاني انعدام الرؤية الفنية

:
  • عرض: عبدالله القمزي

عندما يتعلق الأمر بصناعة فيلم يعتمد على الحوارات وصوت راوي القصة كعامل رئيس في دفع الأحداث، فهناك بضعة أسماء تستحق الذكر؛ مثل ديفيد ماميت صاحب أحد أفضل حوارات لمشهد أخير في التاريخ الحديث لأفلام Noir أو السوداوية وهو فيلم Heist عام 2001.

الاسم الثاني يتمتع بشعبية كبيرة، وهو كوينتن تارانتينو، أما الثالث فهو آرون سوركين، كاتب فيلم Molly’s Game أو «لعبة مولي» الذي يتولى إخراجه في أول تجربة إخراجية له. سوركين أحد القلائل الذين يتمتعون بقدرة على كتابة حوارات جيدة ومونولوغات مؤثرة.

الاكتفاء بالكتابة

من أعمال سوركين السابقة المسلسل التلفزيوني الشهير «الجناح الغربي» ومسلسل «غرفة الأخبار» وأفلام «بضعة رجال صالحين» و«الرئيس الأميركي» و«حرب تشارلي ويلسون» و«الشبكة الاجتماعية» و«ستيف جوبز»، وكلها أفلام جيدة ومتميزة إخراجياً لأن سوركين اكتفى بكتابتها، ولم يخرجها.


إرادة امرأة

تشاستين أداؤها جيد لكن ليس عظيماً، ربما لأن الشخصية مملة والقصة قوية وحتى في لقطات إدمان المخدرات لم تعطِ انطباعاً قوياً، كما فعلت جينيفر كونولي في Requiem For A Dream، ولا تغوص في الشخصية كما غاصت ميريل ستريب في دور مارغريت تاتشر في «المرأة الحديدية»، رغم ذلك فإن حصول تشاستين على ترشيح أفضل ممثلة وارد، خصوصاً أنها أول شخصية نسائية يكتبها سوركين، ويديرها وتعكس قوة إرادة امرأة في عالم هيمنة الرجال؛ وهو ما يتناسب مع هوليوود في حقبة ما بعد فضيحة المنتج هارفي واينستين.



• يقع سوركين في أخطاء تعكس انعدام خبرته الإخراجية، وهي إعادة إخبار المشاهد بما يراه على الشاشة.

فيلم «لعبة مولي» مقتبس من كتاب بالعنوان نفسه عن القصة الحقيقية لمن أطلقت عليها الصحافة الأميركية اسم أميرة القمار مولي بلوم. من المشاهد الاسترجاعية المدعومة بصوت راوية القصة ومتقمصة شخصيتها (جيسيكا تشاستين، وسامانثا إسلر في دور مولي المراهقة)، نعلم أن مولي كانت محترفة موهوبة في رياضة التزلج على الجليد على مستوى قارة أميركا الشمالية، وتتطلع إلى الأولمبياد بدعم من والدها الطبيب النفسي المثالي لاري (كيفن كوستنر).

تتعرض مولي لإصابة تضع حداً لمسيرتها الرياضية، وبدل اتباع نصيحة والدها والتسجيل في كلية الحقوق تقرر مولي الانتقال من برد مسقط رأسها في كولورادو إلى دفء لوس أنجلوس، وبعد سلسلة صدف ينتهي بها الأمر في العمل كمساعدة شخصية لرجل متنفذ في هوليوود يدير نادي قمار سرياً يدعو إليه نجوم السينما والرياضة وكبار رجال الأعمال، وكل من يتمتع بقدرة كبيرة على الإنفاق.

تُطرد مولي من وظيفتها، وتقرر سحب كل الزبائن إلى نادٍ جديد تفتتحه في فندق وتديره شخصياً دون مخالفة القانون. تستمر المتاعب في ملاحقة مولي عندما يصارحها أحد اللاعبين (في الحقيقة هو النجم السينمائي توبي ماغواير لكن المؤلفة وسوركين حجبا الكثير من الأسماء) المحترفين أنه يريد معاملة تفضيلية، وعندما ترفض مولي يقرر اللاعب الانسحاب وسحب اللاعبين المؤثرين معه.

تقرر مولي الانتقال من لوس أنجلوس إلى نيويورك لتحول النادي إلى إمبراطورية قمار، وتوجه الدعوة إلى أي شخص ثري يستطيع الإنفاق. هذا القرار جلب لمولي المزيد من المتاعب عندما جذبت دعوتها تلك الشبكات الإجرامية ممثلة في المافيا الروسية، بالإضافة إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) الذي يراقب هؤلاء.

بعد ذلك وجدت مولي نفسها تحولت إلى مدمنة مخدرات، وفقدت تركيزها بشكل كامل وعانت عواقب مدمرة لقرارها. هذا بالنسبة للخط الزمني الأول من القصة؛ أمّا الخط الثاني فيجري بعد أكثر من عامين على انهيار امبراطوريتها. بعد الإفلاس واتهامات من قبل الحكومة الأميركية، وإمكانية الزج في السجن، تلجأ مولي إلى المحامي تشارلي جافي (إدريس إلبا) الذي يقرر الترافع لصالحها بعد تردد شديد بسبب سمعتها المشوهة في الصحف، ولأنها مفلسة غير قادرة على دفع أتعابه. حتى بعد قرار الترافع يلاحظ جافي أن موكلته عنيدة جداً وترفض الأخذ بنصائحه.

القمار.. مجرد خلفية

«لعبة مولي» ليس فيلم قمار، وبوسعنا القول إن موضوع القمار رغم الإغراق في تفاصيله هو مجرد خلفية، لأن مولي لا تلعب لكنها تؤسس النوادي وتجلب اللاعبين، أما الموضوع الأساسي فهو دراسة سلوك شخصية مدمنة مخدرات محاطة بشخصيات مدمنة قمار (اللاعبون)، ولا يخفي الفيلم جانباً آخر من إدمان مولي وهو الرغبة الجامحة في السيطرة على الرجال المتنفذين.

ولو أردنا المقارنة مع شخصية أخرى خلقت إدماناً لآخرين دون دخولها فيه شخصياً، فالأشهر والأقوى حتى أقوى من مولي، فهو وولتر وايت، مدرس الكيمياء البارع الذي قرر صنع المخدرات في المسلسل الأميركي الشهير الرائع Breaking Bad.

المقارنة شكلية فقط لأن العملين ينتميان لوسطين مختلفين، أمّا الشيء المثير للاهتمام فعلاً في فيلم هوليوودي أن سوركين لا يتخذ من الجنس كعامل إدمان رغم ارتباط القمار به في كازينوهات لاس فيغاس مثلاً. هنا اللاعبون لا ينظرون حتى إلى النساء اللاتي وظفتهن مولي للعمل في ناديها، وكل تركيزهم منصب على اللعب والفوز أو الخسارة.

سوركين يحيد عامل التشويق لصالح بناء شخصيته، ولا يعتمد على المفاجآت، فمنذ البداية نعلم كيف انتهت القصة بدخول عناصر «إف بي آي» إلى منزلها واعتقالها، ومن أول مشهد لها مع المحامي تخبره باختصار بكل الأحداث التي جرت من 2003 - 2013؛ ما يفسح المجال أمام سوركين للتركيز على الحوار وتطور شخصية مولي وهي تحديداً نقاط قوة سوركين.

تحطيم الرقم القياسي

أما نقاط الضعف فيمكن اختزالها في سؤال واحد يتعلق بمهارة صانع الفيلم نفسه أي سوركين: ما الذي يؤهل هذا الفيلم للعرض السينمائي؟ الجواب: سوركين وبطلته فقط! بكلمات أخرى الفيلم يفتقد للأسلوب البصري الذي تتطلبه السينما، سوركين من أول دقيقة إلى الأخيرة يركز في الحوارات ورواية القصة بصوت البطلة فقط كأنه يريد تحطيم الرقم القياسي لفيلم His Girl Friday عام 1940، الذي اشتهر بنطق شخصياته 240 كلمة في الدقيقة! إلى درجة أن المشاهد لو لم يكن معتاداً على أسلوب سوركين، أو لم تجذبه القصة فقد يصاب بالصداع من كثرة الثرثرة مدة 140 دقيقة.

الفيلم يحوي لقطتين صامتتين فقط مدة كل واحدة منهما 30 ثانية، وهو ما يخالف القاعدة السينمائية المعروفة بإعطاء الكاميرا دوراً لسرد القصة، بالإضافة إلى أن الكاميرا محدودة الحركة واللقطات متشابهة جداً لدرجة الرتابة.

حتى في الجزئية التي قد تتطلب بعض الهدوء ليتمكن المشاهد من استيعاب سيل المعلومات التي تنهمر عليه، فإن سوركين يلجأ إلى الغرافيكس بوضع بطاقات اللاعبين على الشاشة، واستخدام صوت مولي لشرح كيف ربح هذا اللاعب أو خسر، وهو أسلوب لم تكن له أي حاجة إطلاقاً، إذ إنه يغوص في قواعد القمار بصورة لا تخدم القصة الرئيسة.

أيضاً، يقع سوركين في أخطاء تعكس انعدام خبرته في الإخراج وهي إعادة إخبار المشاهد بما يراه أمامه على الشاشة، فعند ظهور لقطة مشروبات فاخرة تخبرنا مولي أنها مشروبات فاخرة، وعندما تسلط الكاميرا على الطعام لا تتردد مولي في تثقيفنا أنه طعام، وعندما تستنشق المخدرات تقول لنا إنها تستنشقها.. وهكذا دواليك.