شركات التقنية العملاقة أكبر ضحاياها

مقار العمل «المليارية».. من أيقونات معمارية فخمة إلى مكاتب خاوية

«أبل» أنفقت ما يزيد على 5 مليارات دولار على مقرها الرئيس «أبل بارك» في كاليفورنيا. من المصدر

تسابقت شركات التقنية العملاقة، خلال السنوات الخمس إلى السبع الماضية، في إنشاء مقار عمل رئيسة فخمة وضخمة، وفق أحدث الطرز المعمارية والتقنية الحديثة، وكسر الإنفاق على هذه المقار حاجز مليار دولار (نحو 3.67 مليارات درهم)، فيما بلغ أقصاه في حالة شركة «أبل» الأميركية، بما يزيد على خمسة مليارات دولار، أنفقتها على مقرها الرئيس «أبل بارك» في مدينة كوبرتينو بكاليفورنيا، ومع اندلاع جائحة «كورونا»، والتحول الكبير إلى نمط العمل عن بعد، تحولت هذه المقار من «أيقونات» عصرية للمعمار والهندسة المدنية، والتقدم التقني، وأساليب العمل الإبداعية الابتكارية، إلى مشكلة ضخمة لكونها أصبحت خاوية أو شبه خاوية معظم الوقت، وفيما كانت هذه الأزمة طارئة نوعاً ما خلال 2020، فإن المحللين يتوقعون أن تصبح «هماً مزمناً» في عام 2021.

مقار فخمة

ووفقاً لمسح استقصائي أجراه محللو موقع «سي نت» المتخصص في التقنية cnet.com، ونشر في 17 ديسمبر، فإن أزمة المقار الفخمة الضخمة شبه الفارغة تواجه عمالقة التقنية الكبار أكثر من غيرهم، ومن أبرزهم شركات: «أبل»، و«غوغل»، و«أمازون»، و«مايكروسوفت»، و«سيلز فورس»، و«أوبر»، و«ديل»، التي إما انتهت فعلياً من مشروعات سابقة، أو لديها مشروعات جارية على وشك الانتهاء، لإنشاء مقار رئيسة فخمة وعصرية.

وقدّر المسح أن كلفة مشروعات إنشاء المقار في هذه الشركات تراوح بين 1.2 مليار دولار - الذي يمثله الإنفاق على مقر «أوبر»، والمستهدف أن يدير ويستوعب حركة نحو 22 ألف موظف - وأكثر من خمسة مليارات دولار، وهو الرقم الذي جرى إنفاقه على المقر الرئيس لشركة «أبل» في كاليفورنيا، فيما يقع الإنفاق على مشروعات المقار الأخرى بين هذين الرقمين، ويتقدمها مقر «مايكروسوفت»، المقرر إقامته على مساحة تصل إلى 30 فداناً في واشنطن، ويتوقع ألا تقل كلفته عن ثلاثة مليارات، فضلاً عن مقار «ديل» و«فيس بوك» التي بدأ العمل بها قبل الجائحة ولم ينتهِ بعد.

عمل هجين

وأوضح مسح «سي نت» أن كلاً من «أوبر»، و«غوغل»، و«ديل»، و«فيس بوك»، بدأت تطبق حالياً بيئة عمل قائمة على النهج الهجين، تتضمن الحضور في جزء من الأسبوع، والعمل من المنزل في الجزء الآخر، وبالتالي قد تلجأ الشركات إلى تبني نهج «المكتب السريع» الذي تختفي فيه المساحات المخصصة للمكاتب، خصوصاً المكاتب الشخصية، ويتم إنجاز العمل أينما كانت هناك مساحة.

ومن المحتمل أيضاً أن توسع شركات الأجهزة المساحات المخصصة للمعامل والمختبرات، حيث ستكون الآلات العاملة والجو التعاوني هما سبب حاجة بعض الأشخاص إلى القدوم. ونظراً إلى أن شركات التكنولوجيا تعتمد في معظم أعمالها على المبدعين أصحاب المواهب، فقد نشرت أفكار ثقافة العمل المختلفة، مثل تشجيع المزيد من مساحات العمل الفنية، والكافيتريات المجانية، والأنشطة مثل دروس الـ«يوغا»، وصالات تنس الطاولة، والحدائق الملحقة المفتوحة، وهذه أفكار تساعد على جذب الموظفين لقضاء أكبر وقت ممكن في المكتب.

وذكر المسح أن نهج العمل الهجين طبقته «أوبر» في مقرها الجديد الذي يستوعب نحو 10% من قوة العمل لديها، والبالغة 22 ألف موظف، كما أكدت «غوغل»، خلال ديسمبر الجاري، على لسان رئيسها التنفيذي، سوندر بيشاي، أنها تدرس اتباع نهج مشابه.

وكذلك أعلنت «ديل»، التي قال أكثر من 60% من موظفيها البالغ عددهم 134 ألف موظف، إنهم يرغبون في البقاء بعيداً، ويحتاجون فقط إلى أماكن تجتمع فيها الفرق أو الموظفون للعمل في المختبرات والمعامل.

أما الرئيس التنفيذي لـ«فيس بوك»، مارك زوكربيرغ، فأعلن أن الشركة تمضي قدماً نحو نهج هجين بشكل مدروس ومنهجي، ليشمل كل الموظفين، البالغ عددهم 48 ألفاً.


غموض مستقبلي

كشفت تحليلات أجرتها شركة «سي بي آر إي» المتخصصة في الخدمات العقارية، وتساعد الشركات في تحديد طبيعة بيئات العمل وكيفية استثمار المقار، أن الشركات لا تعرف حتى الآن الشكل الذي ستبدو عليه بيئة العمل بعد انحسار وباء «كورونا».

وبحسب ما قاله كبير المديرين في الشركة، كيسي غارسيا، فإن الغموض لايزال يكتنف الوضع الطبيعي الجديد بهذه الشركات، ويرجح أن تتحول شركات التقنية بالذات إلى نموذج العمل الهجين لفترة من الوقت لكي تكتشف ما ينجح، وقد دخلت بالفعل سباقاً من الزمن للقيام بذلك، إلا أنه مهما كانت هذه الحلول، فإن من غير المرجح أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه، أو لما تم التخطيط له في بداية إنشاء المباني.

إلا أن وسيطة التأجير ونائب رئيس شركة «سي بي آر إي»، إليزابيث هارت، ترى أن المباني المليارية شبه الفارغة حالياً، لا تبدو أمراً سيئاً على طول الخط، لأن الحلول وثقافات العمل التي ستتوصل إليها شركات التقنية الإبداعية، ستوفر نموذجاً ملهماً للشركات الأخرى، ليس فقط في قطاع التقنية وإنما في بقية القطاعات، وأيضاً للشركات من مختلف الأحجام، حتى لو لم تكن لديها مقار مليارية.

طباعة