حقق نجاحاً باهراً في خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والواقع المعزّز

سكوت جوثري.. فرس الرهان لـ «مايكروسوفت» في صراعها مع «أمازون» و«غوغل»

سكوت جوثري هو العقل المدبر لإنهاء الصراع بين «مايكروسوفت» والبرمجيات مفتوحة المصدر. من المصدر

في آخر تحليل مالي لأعمال «مايكروسوفت»، تبين نمو أعمال الحوسبة السحابية للشركة بصورة متسارعة حتي بلغت عائداتها أكثر من 23 مليار دولار، تمثل نحو 21% من إجمالي عائدات الشركة، ما يعني أنها أصبحت في منافسة قوية ضد «أمازون» و«غوغل»، اللتين تتصدران أعمال الحوسبة السحابية حول العالم.

ومع وصول «مايكروسوفت» لهذه الدرجة من القوة في عالم الحوسبة السحابية، تركزت الأنظار على شخص نحيل الجسم، لم يكن حتى وقت قصير نجماً معروفاً في عالم التقنية، لكنه يشق طريقه الآن إلى النجومية بسرعة كبيرة، حاملاً مظهراً خاصاً به، على غرار المشاهير في عالم التقنية.

فإذا كان بيل غيتس مؤسس «مايكروسوفت» ومخترع «ويندوز» قد عرف ببدله البسيطة الأنيقة، وستيف جوبز، أسطورة «أبل» الراحل عرف بالسترات السوداء ذات الرقبة المرتفعة، ومارك زوكربيرغ مؤسس «فيس بوك» قد عرف بالجاكيت الذي يغطي الرأس، فإن سكوت جوثري نائب رئيس «مايكروسوفت» للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي يصعد للقمة مع هؤلاء بـ«تيشيرت» أحمر وبنطلون «جينز» أزرق.

اهتمام المراقبين

وجذب جوثري، اهتمام المراقبين بعد قصة النجاح الباهرة التي صنعها مع خدمات «مايكروسوفت» للحوسبة السحابية، والانقلاب الجذري الذي أنهى به «الحرب الباردة» بين «مايكروسوفت» ومجتمع البرمجيات مفتوحة المصدر، والذي حول علاقتهما من علاقة أشبه بالاختلاف بين الليل والنهار، إلى علاقة طرفين مغرمين ببعضهما بعضاً، ويستمتعان بالشمس الدافئة، حتى باتت «مايكروسوفت» أكبر من ينفق على مجتمع البرمجيات المفتوحة المصدر، بعد أن كانت لا تعترف بوجودها من الأصل.

وأعد نائب الرئيس والمحلل الرئيس في شركة الأبحاث «فورستر»، دايت بارتوليتي، تحليلاً عن ظاهرة سكوت جوثري، وموقعه داخل «مايكروسوفت» وأدواته التي يدير بها المنافسة الشديدة ضد «غوغل»، و«أمازون» في عالم الحوسبة السحابية، وحركته السريعة التي تجعله من الشخصيات البارزة في عالم التقنية.

ووفقاً لبارتوليتي، فإن سكوت جوثري هو «اليد الطولى» المحركة التي تنفذ فلسفة الرئيس الحالي لـ«مايكروسوفت»، ساتيا ناديلا، وتهبط بها من سماء الفكر إلى أرض الواقع، وهو عملياً رأس الحربة التي يقاتل بها ناديلا ضد كل من «أمازون» و«غوغل».

وفي هذه المرحلة، تحول جوثري إلى أيقونة أو رمز في عالم التقنية، له فلسفته الخاصة القائمة على فكرة «التحسن المتواصل» التي ظل يمارسها طوال أكثر من 20 عاماً أمضاها في العمل داخل «مايكروسوفت» منذ تخرجه في جامعة «ديوك» عام 1997. وهي الفلسفة التي تلاقت مع أفكار ساتيا ناديلا حتى قبل صعود الأخير لمنصب رئيس الشركة، وتتلخص في فكرة «عقلية النمو»، ليعتنقها جوثري ويجدها تعبيراً أفضل من «التحسن المتواصل». وفي كل الأحوال، فإن الفلسفة قائمة على ألا يتم التوقف في الإضافة والتحسين والإبداع عند حد معين، فامتلاك الجبل لا ينتهي بتسلق قمته، بل بمواصلة معرفته بشكل أكثر على الدوام.

الذكاء الاصطناعي

ويُعد جوثري مسؤولاً حالياً عن أعمال الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز والأجزاء الأساسية الجوهرية من نظم «ويندوز»، وتصنيع معالجات «مايكروسوفت» القائمة على الذكاء الاصطناعي، وكامل أعمال الحوسبة السحابية للشركة.

ومن موقعه، عمل على تنفيذ تغيير جوهري في نظرة «مايكروسوفت» وفلسفتها، حيث حولها من شركة تقدم منتجات قائمة على متطلبات قديمة، تعتمد على بعضها بعضاً وتسمح للنشاطات التجارية بالازدهار، إلى شركة تبدع وتقدم مجموعة واسعة من التقنيات والخدمات القوية التي لا تقاوم. كما حوّل الشركة من التركيز على التفاعل مع المنافسين وقهرهم، إلى شركة تركز على العملاء لاجتذابهم، بطريقة «شعاع الليزر» الذي يتركز في نقطة واحدة.

المصادر المفتوحة

وكان جوثري هو العقل المدبر لإنهاء الصراع التاريخي بين «مايكروسوفت» والبرمجيات مفتوحة المصدر، وعلى رأسها نظام تشغيل «لينكس».

وبفضل أفكاره وخططه أصبح نظام «لينكس» يشغل أكثر من ثلث الأجهزة التي تتعامل مع خدمة «آزور» للحوسبة السحابية، وتحوّل عالم البرمجيات المفتوحة المصدر من منافس إلى مصدر للدخل، يدر على الشركة مليارات الدولارات ويدعم عملياتها على كل الأصعدة.

وحالياً، أصبحت «مايكروسوفت» المساهم الأول في مشروعات البرمجة مفتوحة المصدر، ووصل الأمر ذروته بأنها دفعت 7.5 مليارات دولار لشراء شركة «جيت هب» الشركة الناشئة في مجال البرمجيات مفتوحة المصدر.

وقال جوثري: «كان شراء (مايكروسوفت) لشركة (جيت هب) أمراً لا يمكن تصوره قبل عقد من الزمان، ويعد ضرباً من الجنون، إذ كيف يمكنك ان تجمع بين الليل والنهار في وقت واحد، بل إن الليل والنهار يعد مصطلحاً سهلاً للتعبير عن الاختلاف بين (مايكروسوفت) والمصادر المفتوحة، لكن الأمر حدث في النهاية، وبات الطرفان في وفاق دائم، ومن نتيجة ذلك أن موظفي (مايكروسوفت) أصبحوا مخولين للعمل عن قرب مع بعضهم بعضاً، دون الشعور بأنهم في منافسة مستمرة».

وأضاف جوثري، أن «مايكروسوفت» تعمل الآن على تجميع كل ما لديها من قطع وأجزاء تقنية مبدعة في نظام واحد متنوّع، يتضمن مشروع إنشاء معالجات الذكاء الاصطناعي، وتطبيقات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأنظمة التشغيل، وفرق التخزين وفرق الشبكات، وجعل كل هذا متلاحماً قائماً في مكان واحد، فمثلاً قد تستخدم شركة سيارات خدمة «آزور» للحوسبة السحابية لتشغيل برامجها المتصلة بالسيارات، وقواعد بيانات «مايكروسوفت»، وتقنيات «مايكروسوفت» للذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات التي تحصل عليها، ويستخدم موظفوها وزبائنها نظارات «هولو لينس» في عمليات الترويج والتسويق وتجربة المنتجات ورؤية خيارات الألوان وخلافه، وفي الوقت نفسه تستخدم تقنية «مايكروسوفت داينمكس» لتتبع علاقات العملاء، وخوادم «ويندوز سيرفر» في مراكز البيانات الخاصة بها، وخدمة «جيت هب» لتخزين وتتبع جميع الأكواد وشفرات المصدر التي تكتبها.

وأوضح أن طريقة تجميع القطع المبدعة معاً تقوم على اعتناق فكرة «دعونا نكون العملاء أولاً»، أو وضع أنفسنا مكان العملاء، وهذا ما يجعل الأمر يبدو للبعض وكأننا قد تغيرنا بطريقة سحرية عما كنا عليه قبل أربع سنوات.

الحوسبة السحابية

قال نائب الرئيس والمحلل الرئيس في شركة الأبحاث «فورستر»، دايت بارتوليتي: «لقد أدرك ساتيا ناديلا وسكوت جوثري الخطر الوجودي للحوسبة السحابية على مستقبل (مايكروسوفت)، فقاما بعملية تحول كانت واحدة من أنجح التحولات التي شهدتها شركات التقنية العملاقة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما سيصعد بسكوت جوثري إلى مصاف (الرقبة السوداء) لستيف جوبز، و(جاكيت) مارك زوكربيرغ، ليصبح واحداً من (نجوم الروك) في عالم البرمجة، الذي يرفع شعار (لن نكف عن تسلق الجبل ولن نتوقف عند القمة)، ويفعل ذلك عملياً دون أن يستغني عن التيشيرت الأحمر والبنطلون الجينز».