مع صعوبة تأمين التمويل وتزايد تركيز المستثمرين على إثبات المشروعات المبتدئة لجدواها الاقتصادية
مخاوف وادي السيليكون من التباطؤ تنتقل إلى الشركات الأوروبية الناشئة
عدد من شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون عانت من تقديرات منخفضة لقيمتها. غيتي
يبدو أن مخاوف شركات التكنولوجيا الأميركية من تباطؤ اقتصادي عام، وتراجع موجة الصعود الكبير لاستثمارات رأس المال المغامر، تجد صدى لها في مشهد الشركات الناشئة في أوروبا على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، إذ صار من الصعب تأمين التمويل، وتزايد تركيز المستثمرين على إثبات المشروعات المُبتدئة لجدواها الاقتصادية.
ومثلاً في شركة «ديلفرو»Deliveroo الناشئة لتوصيل الطعام في العاصمة البريطانية، لندن، حث المؤسس المشارك، ويليام شو، طوال العام الماضي زملاءه على توخي المزيد من الحذر بشأن التوسع السريع في أسواق تشهد منافسةً حادة مثل الولايات المتحدة، والتركيز بدلاً من ذلك على أسواق تتمتع فيها الشركة بقاعدة من المستخدمين المخلصين.
ونجحت «ديلفرو» في جمع تمويل بقيمة 200 مليون دولار، ويقترب عدد موظفيها من 400 موظف، وتعمل في 12 بلداً.
وقال شو إن تحقيق الأرباح يفوق أهمية التوسع السريع لهزيمة المنافسين في الأسواق الجديدة مع تجاوز الشركة لجذورها البريطانية. وقال: «علينا فهم ضرورة التعامل مع كل جولة تمويل كما لو كانت الأخيرة بالنسبة لنا».
وفي وادي السيليكون عانى عدد من شركات التكنولوجيا الخاصة من تقديرات منخفضة لقيمتها، وواجهت شكوك المستثمرين وتساؤلاتهم حول قابليتها للاستمرار. ووصل هذا القلق إلى مجتمع الشركات الناشئة في أوروبا، في علامة إضافية على انحسار واضح في تمويل الشركات الناشئة على المستوى العالمي.
وتتشابه إلى حد كبير أسباب التراجع والتغييرات التي تشهدها الشركات الناشئة في أوروبا مع ما يجري في الولايات المتحدة. وتشهد أسهم شركات التكنولوجيا أداءً متقلباً، نظراً للمخاوف من تباطؤ اقتصادي عالمي تتزايد حدته في أوروبا، بسبب أزمتها الحالية في التعامل مع الهجرة واللجوء، فضلًا عن مشكلاتها المالية القائمة.
وفي مختلف أنحاء العالم لا يستند تقدير قيمة بعض الشركات الناشئة إلى واقعها الفعلي، وكنتيجة لذلك صار مستثمرو رأس المال المغامر في أوروبا أكثر حذراً في تمويل الشركات المحلية الناشئة التي لم تثبت جدوى أعمالها.
وفي تعبير عن تشابه الوضع بين الولايات المتحدة وأوروبا، قال الشريك في مكتب لندن في «أكسل بارتنرز»Accel Partners لرأس المال المغامر، فريد دستين: «حين يعطس وادي السيليكون يصيب الزكام بقية العالم، إنها فقط مسألة وقت قبل أن تواجه أوروبا المشكلات نفسها التي نراها على الساحل الغربي للمحيط الأطلسي».
وفي أوروبا أدى هذا الوضع إلى حالات مثل شركة «بوا تكنولوجيز» Powa Technologies للتجارة الإلكترونية في لندن، وفي الأسبوع الماضي دخلت الشركة مرحلة التصفية كأحد صور الإفلاس.
ومنذ عام 2013 اجتذبت الشركة تمويلاً بقيمة 175 مليون دولار، لكنها أخفقت في إقناع ما يكفي من المستهلكين بتقنيتها للتسوق عبر الهواتف الذكية. وقالت «ديلويت» للخدمات المهنية التي تشرف على بيع أصول «بوا» إنها تبحث حالياً عن مشترين.
وجمعت «تروكولر» Truecaller السويدية، مالكة التطبيق الشهير للتعرف إلى هوية المتصلين، نحو 80 مليون دولار. وأخيراً سرّحت نحو 20% من موظفيها. ورفض متحدث باسم الشركة التعليق على الأمر، مؤكداً التزام «تروكولر» بعملها.
ويمكن النظر أيضاً إلى تجربة شركة «سويفتكي» SwiftKey البريطانية التي تُقدم تطبيق لوحة المفاتيح للهواتف الذكية، وتعتمد على الذكاء الاصطناعي، وتُستخدم في أكثر من 300 مليون هاتف ذكي حول العالم. وخلال الشهر الجاري استحوذت «مايكروسوفت» على الشركة نظير 250 مليون دولار، وهو مبلغ يقل كثيراً عما توقعه عدد من المستثمرين في «سويفتكي».
وقال كريستيان ريبر، مؤسس شركة «6 وندركيندر» 6Wunderkinder الألمانية الناشئة التي اشترتها «مايكروسوفت» العام الماضي: «يمكنك بالفعل ملاحظة المزيد من التردد والتقييمات المنخفضة»، مضيفاً: «سيستمر التصحيح في السوق، ولا يعد ذلك أمراً سيئاً بالضرورة».
ولا يسود مشهد الشركات الأوروبية الناشئة شعور حاد بالخوف كما هي الحال في وادي السيليكون، إذ خفضت صناديق للتمويل المشترك قيمة شركات مثل «دروب بوكس»، واضطرت شركات أخرى إلى جمع التمويل في ظل تقديرات أقل لقيمتها.
ويرجع الفارق أساساً إلى الاختلاف بين حجم القطاعين، ويقل حجم الشركات الناشئة في أوروبا كثيراً عن نظيرتها في الولايات المتحدة. وباستثناء أمثلة بارزة مثل «سبوتيفاي» السويدية لخدمة بث الموسيقى، يوجد في أوروبا عدد أقل من الشركات الناشئة التي تجاوزت قيمتها مليار دولار، مقارنةً مع الولايات المتحدة وآسيا.
وفي العام الماضي، جمعت الشركات الأوروبية الناشئة في مراحلها المبكرة 13.4 مليار دولار، ما مثل رقماً قياسياً لها، حسب بيانات «سي بي إنسايتس»،
ودفعت الزيادة أساساً نشأة صناديق جديدة لرأس المال المغامر في لندن وبرلين. ومع ذلك، يقل هذا الرقم عما اجتذبته الشركات الناشئة في الولايات المتحدة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة فقط من عام 2015.
وقال الشريك العام في «نورثزون» Northzone السويدية للاستثمار وأحد أوائل الداعمين لشركة «سبوتيفاي»، بارا-يورجن بارسون «لا تحلق أوروبا عالياً مثل وادي السيليكون، ويعني ذلك أنها لن تتردى كثيراً أيضاً».
ويرى بعض رواد الأعمال الأوروبيين جانباً مشرقاً للتباطؤ الراهن بالنسبة لشركاتهم. ومنهم المؤسس المُشارك في «تيكتال» Tictail، كارل والدكرانز، السويدي الجنسية، الذي توفر شركته تطبيقاً للتجارة الإلكترونية للهواتف الذكية. وكانت الشركة جمعت العام الماضي 22 مليون دولار أثناء تصاعد موجة استثمارات رأس المال المغامر.
واستفادت «تيكتال» من التمويل في توسيع متجرها الرقمي الذي يتيح لمصممي الأزياء المبتدئين الوصول إلى جمهورٍ عالمي. ويخطط والدكرانز حالياً للتركيز على الأسواق الرئيسة لشركته، مثل الولايات المتحدة وفرنسا، ويأمل في إقناع دور الأزياء الصغيرة باعتماد «تيكتال» وسيلةً رئيسة للوصول إلى مستهلكين يتزايد إقبالهم على استخدام الهواتف الذكية للمشتريات اليومية.
وقال والدكرانز الذي يوزع وقته بين مدينتي نيويورك وستوكهولم: «كنا محظوظين للغاية بالتوقيت» عند الحصول على التمويل، مشيراً إلى أن الشركة ربما تمتلك ميزة تنافسية في ظل ضيق السوق.
لكن هذه الرؤية الإيجابية لبعض الشركات لا تمنع امتداد مخاوف المستثمرين الأميركيين إلى نظرائهم الأوروبيين عبر الأطلسي. وقال مستثمرو رأس المال المغامر في أوروبا إنهم يحذرون الشركات الناشئة من صعوبة الحصول على تمويل جديد، كما سيكون هناك تدقيق أكبر في كيفية إنفاق الشركات للتمويل الذي حصلت عليه بالفعل.
وقال الشريك في «بلو يارد» BlueYard للاستثمار في برلين، سياران أوليري: «ربما يجد رواد الأعمال الأوروبيون صعوبةً أكبر للحصول على المال الأميركي»، لافتًا إلى ارتفاع شروط الاستثمار.