تُحاط بدرجة عالية من السرية ويُشار إليها باختصار في سيرة ستيف جوبز

«جامعة أبل».. برنامج تدريبي لترسيخ ثقافة «الشركة» عند الموظفين

صورة

يرى البعض في منتجات شركة «أبل» على اختلافها، طابعاً واحداً يميزها، بدءاً من الفكرة وصورة العلامة التجارية، مروراً بالتصميم والتطوير، وليس انتهاءً بالتسويق والتعامل مع المستهلكين.

ويرتبط الطابع نفسه ببرنامج التدريب الداخلي للشركة الذي يحمل اسم «جامعة أبل»، وفق ما تناول تقرير نشرته صحيفة «ذا نيويوك تايمز» الأميركية.

ويعرف عن «أبل» تكتمها على كثيرٍ من تفاصيلها الداخلية، ولا تشجع حديث موظفيها عن الشركة، ومن ذلك بالتأكيد برنامجها التدريبي الذي تحيطه بدرجة عالية من السرية، ونادراً ما يجري الحديث عنه علناً، كما لم تنشر صور الغرف الدراسية من قبل.

ويشار إلى الجامعة على نحوٍ مختصر في السيرة الذاتية التي كتبها، والتر آيزاكسون، للرئيس التنفيذي الراحل للشركة، ستيف جوبز. وحسب تقرير الصحيفة، رفضت المتحدثة باسم «أبل» إجراء مقابلات مع المدربين.

وأسس جوبز البرنامج التدريبي أو «جامعة أبل» في عام 2008، بهدف غرس ثقافة العمل الخاصة بالشركة داخل الموظفين، إلى جانب تثقيفهم بشأن تاريخ الشركة وقراراتها، لاسيما في ظل التغيرات المتواصلة في مجال التقنية. واختار حينها، جويل بودولني، الذي كان يشغل منصب عميد كلية الإدارة في جامعة «ييل»، لتنظيم البرنامج، واستمر حتى الآن مديراً له.

ولا يعد التحاق الموظفين بالدورات التدريبية أمراً إلزامياً، ومع ذلك، نادراً ما يكون جذب الموظفين الجدد للالتحاق بالتدريب أمراً صعباً.

وتختلف «جامعة أبل» عن كثيرٍ من البرامج التدريبية التي توفرها الشركات الأخرى، ويغلب على كثيرٍ منها طابع التلقين، في حين يجمع تدريب «أبل» بين مناقشة الأفكار والتصورات والجاذبية في عالم التكنولوجيا، كما يركز على إيمان الشركة العميق بأهمية البساطة الأنيقة لإنجاز المهام المطلوبة من ناحية، ومراعاة الجانب الجمالي من ناحية أخرى.

وحسب ما نسب تقرير الصحيفة الأميركية إلى ثلاثة من موظفي «أبل» وافقوا على الحديث شريطة عدم الكشف عن هويتهم، فقد وصفوا البرنامج التدريبي بأنه انعكاس حي لشركة «أبل» والصورة التي تقدمها للعالم، كما يشبه البرنامج منتجات الشركة من حيث التخطيط بالغ الدقة، والعروض المنقّحة، ما يمثل قشرة براقة تُخفي وراءها جهداً عظيماً.

وبعكس العديد من الشركات الأخرى، تجري «أبل» تدريبها طوال العام، ويعمل في الجامعة أساتذة وكتاب ومحررون بدوام كامل، كما يدرس فيها أساتذة من جامعات أميركية مرموقة مثل «ييل»، و«هارفارد»، و«كاليفورنيا - بيركلي»، و«ستانفورد»، و«معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، ويواصل بعضهم العمل في الجامعة إلى جانب عمله مع «أبل».

ووفقاً لما ذكره موظفو «أبل»، تُعقد الدورات داخل مقر الشركة في كاليفورنيا في قسم من مبانيها يطلق عليه «سيتي سنتر» أو «مركز المدينة». وبوصفه أحد منتجات «أبل»، جرى التخطيط للتدريب بعناية، وتتمتع قاعات الدراسة ذات الشكل شبه المنحرف بإضاءة جيدة، كما ترتفع مقاعد الصفوف الخلفية، ما يتيح لجميع الحاضرين رؤية واضحة للمدربين، وفي بعض الأحيان، تُنظم التدريبات خارج الولايات المتحدة كمقر الشركة في الصين، إذ يسافر المحاضرون للتدريس.

ويمكن لموظفي «أبل» الاشتراك في الدورات المصممة، حسب مواقعهم الوظيفية وخلفياتهم، عبر موقع إنترنت تابع للشركة يتاح لهم حصراً. وتتنوع البرامج التدريبية بين ما يستهدف مثلاً مؤسسي الشركات التي تستحوذ عليها «أبل»، لمناقشة كيفية دمج مواردهم ومواهبهم بسلاسة في الشركة.

وربما تُوفر «أبل» دورة تدريبية مماثلة لموظفي شركة «بيتس» لسماعات الرأس وخدمات بث الموسيقى التي استحوذت عليها في مايو الماضي، وقد تتضمن مؤسسيها دي آر دري وجيمي لوفين، ولم تعلق أي من الشركتين على هذه النقطة.

وتتناول دورات أخرى، دراسات حالة عن القرارات المهمة التي تتخذها «أبل»، حسب ما قال أحد الموظفين، ومنها قرار جعل مشغل الموسيقى «آي بود» وبرنامج «آي تيونز»، متوافقين مع نظام تشغيل «ويندوز» من «مايكروسوفت».

وكان هذا القرار مثار جدلٍ حاد بين المديرين التنفيذيين للشركة، وحينها لم يرحب ستيف جوبز بفكرة مشاركة «آي بود» مع «ويندوز»، لكنه أذعن في نهاية المطاف لآراء مساعديه. وتبين لاحقاً دور القرار في الانتشار الواسع الذي حققه «آي بود» ومتجر «آيتونز»، الأمر الذي أسهم بعد ذلك في نجاح هاتف «آي فون».

ويدرس راندي نيلسون، من استديوهات «بيكسار» للرسوم المتحركة التي أسهم جوبز في تأسيسها، دورة تتناول «الاتصال في أبل»، وتتوافر لمستويات متنوعة من موظفي الشركة. وتُركز على الاتصال الواضح، ولا ترمي المادة فقط إلى تصنيع منتجات سهلة الاستخدام وواضحة، لكنها تهدف كذلك إلى مناقشة الأفكار بين الزملاء وتسويق المنتجات.

وخلال تدريس نيلسون لدورة الاتصال الواضح، العام الماضي، ضرب مثالاً بلوحة «الثور» للفنان التشكيلي والنحات الإسباني بابلو بيكاسو، وعرض صوراً لـ11 رسماً بالطباعة الحجرية أنجزها بيكاسو على مدى شهرٍ في عام 1945. وفي الصور الأولى يظهر الثور كاملاً بالخطم والحوافر والسيقان، لكن مع تكرار المحاولات تتلاشى التفاصيل لتتبقى في النهاية خطوط منحنية، ومع ذلك، لا تدع لأحدٍ مجالاً للشك بأنها ثور.

ويهدف المثال إلى تشبيه الفكرة بالطريقة التي تُطور بها «أبل»هواتفها الذكية وأجهزتها الأخرى، من حيث سعي مُصممي الشركة إلى البساطة على النحو الذي حذف به بيكاسو تفاصيل الثور، بما أوصله إلى عملٍ فني رائع، أو بمعنى آخر اختزال فكرة التصميم لمكوناتها الأكثر أهمية. ويمكن رؤية هذا الاتجاه في العديد من المساعي الحالية لشركة «أبل»، بما فيها تصميم وتسويق العوامل البشرية للفأرة «ماوس» التي تنتجها «أبل».

ومن بين التدريبات الأخرى، التي أحياناً ما يدرسها نيلسون، دورة تحت عنوان «ما الذي جعل (أبل) (أبل)؟»، ووفقاً لأحد الموظفين الذين حضروا التدريب، عرض نيلسون صورة لجهاز التحكم عن بعد «ريموت كنترول» الخاص بتلفزيون غوغل الذي يحتوي على 78 زراً، وتلا ذلك عرض نيلسون لجهاز التحكم عن بعد الذي تُنتجه «أبل»، وهو قطعة رقيقة من المعدن ويضم ثلاثة أزرار فقط.

وشرح نيلسون كيف توصل مصممو «أبل» إلى قرارهم بالاكتفاء بثلاثة أزرار، وبدأ الأمر بفكرة تناقشوا حولها حتى استقروا على وضع ما يحتاجه العمل فقط، زر لتشغيل وإيقاف الفيديو، وثانٍ لاختيار مادة للمشاهدة، ويسمح الزر الثالث بالذهاب إلى القائمة الرئيسة.

وأشار نيلسون حينها إلى أداة التحكم عن بعد الخاصة بتلفزيون «غوغل»، باعتبارها مثالاً مناقضاً بما يحتويه من عدد كبير من الأزرار، وأرجع ذلك إلى أن المهندسين والمصممين العاملين على المشروع وضعوا فيه كل ما أرادوه، في حين خلص مصممو «أبل» إلى حاجته إلى ثلاثة أزرار فقط.

ويحمل أحد الصفوف التدريبية اسم «أفضل الأشياء» استلهاماً من مقولة ستيف جوبز، «أفضل الأشياء التي صنعها البشر». ويهدف التدريب إلى تذكير موظفي الشركة بإحاطة أنفسهم بأفضل الأشياء، مثل الزملاء الموهوبين، والمواد عالية الجودة، بما يمكنهم من تقديم أفضل ما لديهم.

طباعة