أكّدوا أهمية المتابعة والنقاش المنفتح مع الأبناء لتوجيههم باستمرار

تعامل الأطفال مع التكنولوجيا يثير قلق الآباء والأمهات

صورة

يتعرض كثير من الآباء والأمهات طيلة الوقت لرسائل متضاربة، تسوق كلٌ منها حججاً مختلفة، بين من يُعدد فوائد استخدام الأطفال الإنترنت والهواتف الذكية، وتأثيرها الإيجابي في نموهم العقلي وقدراتهم التعليمية، وبين من يحذر من أخطارها الصحية والنفسية، وإضرارها بأنشطة مهمة كالقراءة وممارسة الرياضة والهوايات، إلى جانب مخاطر التعرض للاستغلال ومشاهدتهم محتوى غير ملائم.

ويواجه الوالدان صراعاً مستمراً بين محاولتهما تلبية رغبة أطفالهما المنجذبين تماماً للإنترنت والشبكات الاجتماعية والألعاب، وبين سعيهم لحمايتهم، وبين هذا وذاك يواصلان البحث عن أفضل السبل للمتابعة وترشيد الاستخدام.

وعرض مقال نشرته صحيفة «ذا غارديان» البريطانية لتجارب مختلفة لآباء وأمهات لأطفال ومراهقين، اختار البعض منهم منع أبنائهم من استخدام الهواتف والشبكات الاجتماعية تماماً، واقترح البعض الآخر منهجاً تدريجياً في استخدام الأطفال للتكنولوجيا، لكنّ الفريقين اتفقا على أهمية المتابعة والنقاش المنفتح والحر مع الأبناء حول ذلك.

وبداية، يبدو قلق الآباء والأمهات تجاه استخدام الأطفال للإنترنت مُبرراً، ويؤيده الكثير من الإحصاءات والدراسات العلمية؛ منها ما خلص إليه تقرير حديث صادر عن «وكالة الصحة العامة البريطانية» من أن «الأطفال الذي يمضون المزيد من الوقت في استخدام الحواسيب ومشاهدة التلفزيون وألعاب الفيديو، يميلون إلى معاناة مستويات أعلى من الاضطراب العاطفي والقلق والاكتئاب»، يُضاف إلى ذلك التأثيرات الصحية الناشئة عن الجلوس في وضع ثابت فترات طويلة.

وكانت «وحدة العلوم العامة» بجامعة «غلاسكو» في أسكتلندا كشفت ـــ في وقت سابق من العام الجاري ـــ عن وجود علاقة بين مشاهدة الأشخاص للتلفزيون مدة تزيد على ثلاث ساعات كل يوم، ابتداء من السنة الخامسة من العمر، وحدوث اضطراب في السلوك.

وفضلاً عن ذلك، تسهم المخاوف حول خصوصية وأمان الأطفال على الإنترنت في زيادة قلق الأهل؛ وكان الرئيس التنفيذي لمركز مكافحة استغلال الأطفال وحمايتهم على الإنترنت في بريطانيا، بيتر ديفيز، قال إن «نصف حالات الاستغلال الجنسي للأطفال على الإنترنت تحدث في الشبكات الاجتماعية، وموقع (فيس بوك) إحدى المنصات الرئيسة لها، لكنه ليس الوحيد في هذا الشأن».

وعلى الرغم من منع «فيس بوك» إنشاء الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 13 عاماً حسابات في الموقع، إلا أن الواقع يشير إلى استخدام ملايين الأطفال الموقع عبر ذكر عمر غير حقيقي، وكان تقرير صدر قبل عامين عن استخدام «فيس بوك» كشف عن استخدام 20 مليون قاصر للموقع، تقل أعمار 7.5 ملايين منهم عن 13 عاماً، كما أن خمسة ملايين منهم تقل أعمارهم عن 10 سنوات.

ولا تنتظر مخاطر الإنترنت مرحلة استخدام الأطفال للحاسب والهاتف الذكي بشكل مستقل لتبدأ في الظهور؛ ففي دقائق قليلة وحتى مع إشراف الوالدين قد يطلع الأطفال على محتوى غير ملائم.

ولذلك عبر مارك برايس، وهو أب لطفلين في الرابعة والثالثة من العمر، عن قلقه، على الرغم من أن استخدام طفليه للإنترنت نادر ويجري تحت إشراف كامل، وقال إنه في موقع «يوتيوب» على وجه الخصوص، سريعاً ما يتعثر الأطفال في مواد غير ملائمة؛ وأوضح أنه في إحدى المرات انشغل في مكالمة هاتفية بينما كان جالساً مع طفليه أثناء مشاهدة مقطع لفيلم كرتون، وخلال دقائق قليلة وبنقرات قليلة على بعض الروابط عاد ليجدهما يشاهدان فيديو عنيفاً جداً.

ومما يُصعب من مسألة التحكم في استخدام الأطفال للإنترنت، أنهم يشاهدون آباءهم وأمهاتهم يمضون ساعات طويلة في استخدام «فيس بوك» و«بينترست» وغيرهما، فيكون من العسير أن يطلب الوالدان من أطفالهما عدم فعل الشيء نفسه.

ومع ذلك، فإن شخصاً مثل جيمي أوليفر، وهو طاهٍ بريطاني شهير بتقديمه برامج تلفزيونية وكتب عن الطهي، ولديه ما يزيد على ثلاثة ملايين متابع في موقع «تويتر»، كشف في نهاية أكتوبر الماضي عن منعه ابنتيه الكبيرتين، في الـ11 والعاشرة من العمر، من استخدام الهاتف المحمول، وأيضاً جميع مواقع الإعلام الاجتماعي، خوفاً من تعرضهما لأي إساءات عبر الإنترنت، وما فاقم من مخاوفه كونه شخصية شهيرة.

وجاء قرار أوليفر بعد اكتشافه إنشاء ابنتيه حسابين في تطبيق مشاركة الصور «إنستغرام»، وهو ما وصفه بالقول: «هو أمر لم يسعدني، وسرعان ما وضعت حداً لذلك»، وأشار إلى أن ابنته الكبرى (بوبي)، الوحيدة في فصلها التي لا تمتلك هاتفاً محمولاً، وقال: «قد يبدو ذلك قاسياً، لكنني قلق بالفعل من الإساءات التي تحدث عبر هذه المواقع».

ولفتت جنيفر هوزي، وهي أم لابن وابنة في الـ14 والتاسعة من العمر، إلى تفضيل كثير من الآباء والأمهات اتباع منهج تدريجي في استخدام الأطفال للتكنولوجيا؛ فيحصل الأطفال في البداية على هاتف محمول مع رصيد محدود يمكن استخدامه للاتصال بالمنزل في حالات الطوارئ، وبعدها يحصلون على اعتماد أكثر يُتيح لهم الاتصال بدائرة محدودة من العائلة والأصدقاء، وفي المرحلة التالية يُسمح لهم باستخدام دخلهم ومصروفهم الشخصي لإضافة رصيد للحديث إلى عدد أكبر من الأشخاص.

واعتبرت هوزي، وهي أحد مؤسسي موقع وتجمع «بريت مومز» على الإنترنت، أن «استخدام الأطفال للإعلام الاجتماعي يُمثل المصدر الأكبر لقلقها؛ لأنهم لا يفهمون النتائج غير المباشرة لأفعالهم، وما قد تصل إليه بعض الحوادث، فمن السهل للغاية في بداية استخدام هذه المواقع أن يُشارك الأطفال محتوى بقدر يزيد على اللازم، أو يقولون شيئاً لا ينبغي أن يقولوه، وحتى التقاط الصور، فقد يرسلونها إلى أحد أصدقائهم فيشاركها مع آخرين».

كما أضافت هوزي إلى مصدر آخر لقلق الوالدين، وهو أن يكون طفلهم هو من يسيء إلى الآخرين على الإنترنت، وألا يتصرف بطريقة مهذبة.

من جانبها، ترى سارة بران، الأم والمهتمة بالكتابة عن الأمومة والإبداع، أن «المدارس لا تشرح الإنترنت بشكل جيد، وتكتفي بالإشارة إليه ضمن الحديث عن السلامة والخطر، واقترحت أن يشمل تدريس الإنترنت ثلاثة أقسام؛ يختص أولها بالمسائل الصحية كتأثيره في البصر، ونتائج الجلوس في وضع ثابت فترات طويلة، إلى جانب علاقته بما يُعرف بالمرونة العصبية أو لدونة الدماغ التي يُقصد بها قدرة خلايا الدماغ على التغير نتيجة للسلوكيات والبيئة المحيطة والعمليات العصبية، ويُخصص القسم الثاني للمسائل الفكرية مثل مصادر المعلومات، والقدرة على التفكير بشكل مستقل، بينما يتناول القسم الثالث الإعلام الاجتماعي، وأفكاراً عن التعاطف والصداقة والإساءة والاتصال والعلاقات».


السماح باستخدام الإنترنت والرقابة

 http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2014/01/83363.jpg

ترى هيذر تيشيلي، وهي أم لولدين في الرابعة والثامنة من العمر، أن التكنولوجيا لديها الكثير لتقدمه للأطفال، ما دامت تخضع لإدارة وتدخل الوالدين بالقدر المعقول.

وقالت تيشيلي، التي تدعم حملة «مذرز آت هوم ماتر»، التي تدعم وتشجع بقاء الأمهات أو الآباء في المنازل لرعاية أبنائهم، أنها لا تود أن تُعلم ابنيها في المنزل في غياب الشاشات، خصوصاً أن التكنولوجيا تُقدم العالم لابنها المصاب بعُسر القراءة بطريقة لا تستطيع الكتب أن تقوم بها.

كما أشارت تيشيلي إلى توافر العديد من التطبيقات الرائعة من الصوتيات والرياضيات إلى التدوين بالفيديو والرسوم المتحركة، وأضافت أنها تشاهد مع ابنيها الفيديو والأفلام الوثائقية على موقع «يوتيوب»، وتستخدم هاتفها الذكي للإجابة عن الأسئلة الكثيرة التي يوجهها طفلاها خلال ركوبهما الحافلة وسط زحام المرور.

لكن موافقة الآباء وتشجيعهم لأطفالهم على استخدام الإنترنت، يتضمنان أيضاً واجب الرقابة ومتابعة استخداماتهم عن قُرب، ونقل مقال الصحيفة البريطانية عن تانيا بارو، وهي أم لثلاثة مراهقين، قولها: «يجب أن يتوافر إشراف حتى تعرف أن أطفالك بأمان، وتكون على علم بما يفعلونه؛ هل حسابهم الشخصي مؤمن؟ من يمكنه مشاهدة صورهم؟ ماذا يشاركون؟ بمجرد أن تعرف أن طفلك يفهم أنه ينبغي له ألا ينشر عنوان المنزل وما إلى ذلك، ربما يمكن التخفيف من الرقابة».

وتابعت بارو، التي تحرر مدونة «مامي بارو»: «أتابع أبنائي جميعاً في موقع (تويتر)، كما أنني صديقة لهم في (فيس بوك)، نعم أعرف أن تعليقاتي قد تُحذف، كما أنه ليس مسموحاً لي بالإعجاب بمنشورات الحالة الخاصة بهم في (فيس بوك)، لكن على الأقل يعرفون أني على علم بوضعهم».

واعتبرت بارو أن «العامل المهم يتمثل في الحوار الصريح والمنفتح مع الأبناء»، وأشارت إلى عدم خوفها من تعرض أبنائها للمضايقات والإساءة على الإنترنت، وقالت: «تحدثنا عن ذلك كثيراً، ونحن منفتحون جداً في ما يخص هذا الموضوع، وسيتحدثون معي إذا ما حدث لهم ذلك».

طباعة