الهواتف والرسائل النصية تُمثل للمنفتحين اجتماعياً منفذاً رئيساً للتفاعل الاجتماعي

علم النفس يُفسّر الشعور الكاذب باهتزاز الهاتف المحمول

صورة

ربما قد سبق لك أن شعرت باهتزاز الهاتف المحمول في جيبك أو في الحقيبة، أو تخيلت سماع رنينه، منذراً برسالة نصية أو مكالمة، وبعد إخراج الهاتف للتحقق تجده ساكناً تماماً، بلا صوت أو اهتزاز. وتوصلت دراسات عدة إلى أن كثيرين يمرون بهذه التجربة بمعدلات متفاوتة. ويُشار إلى هذه الظاهرة الحديثة نسبياً والمرتبطة بشيوع استخدام الهواتف المحمولة باسم «متلازمة الاهتزازات الوهمية»، وهي إحساس الشخص واعتقاده باهتزاز هاتفه المحمول أو سماع صوت الرنين، بينما ينفي الواقع حدوث أيٍّ من ذلك.

ويُرجح البعض أن الأشخاص الأكثر عرضة لتكرارها هم الأكثر ارتباطاً بهواتفهم المحمولة، وأيضاً المنفتحون اجتماعياً؛ فتُمثل الهواتف والرسائل النصية بالنسبة لهم منفذاً رئيساً للتفاعل الاجتماعي، وكذلك المصابون بمرض عصبي يدفعهم الى القلق من كل رسالة اجتماعية جديدة، كما قد يتكرر الشعور باهتزازات وهمية للهاتف بفعل الضوضاء المحيطة واختلاط الأصوات.

وتذهب آراء إلى تفسير أسباب حدوث «متلازمة الاهتزازات الوهمية» بالارتباط المتزايد بالهواتف لدرجة تُقرّب البعض من مرحلة السلوك القهري الذي يدفعهم للنظر إلى هواتفهم على فترات قصيرة، أو أنها أحد التأثيرات الرقمية في حياتنا وأدمغتنا.

في حين أن تفسيراً آخر يعتبر الظاهرة الشائعة جزءاً من تجربة استخدام الناس للهواتف المحمولة، كما يعدها جانباً يصعب تجنبه ضمن إنجاز الدماغ الصحي لوظائفه. وضمن مقال كتبه المحاضر في علم النفس والعلوم الإدراكية في جامعة «شيفيلد» البريطانية، توم ستافورد، في موقع «بي بي سي»، رأى أن الظاهرة تُبين أحد المبادئ الرئيسة في علم النفس، ويمكن تفسيرها بما يُعرف باسم «نظرية كشف الإشارات».

ويشرح ستافورد، أن الإنسان مثال على نظام للإدراك الحسي مثل جهاز الإنذار من الحريق، والأبواب الأوتوماتيكية، وحتى زهرة النرجس التي تستشعر البداية الحقيقية لفصل الربيع. وبالمثل فعلى دماغ الإنسان أن يصدر قراراً إدراكياً يُحدد ما إذا كان الهاتف يصدر رنيناً أم لا، وما إذا كانت الإشارات التي يشعر بها الجلد تشير إلى اهتزاز الهاتف في الحقيقة أم لا.

ويرى ستافورد أنه يمكن استخدام «نظرية كشف الإشارة» لتفسير كيفية اتخاذ العقل قرارات إدراكية، وتمثل النظرية وسيلة لقياس القدرة على التمييز بين أنماط المعلومات الحاملة للمُحفزات، وغيرها من الأنماط العشوائية التي تُلهي عن المعلومات أو الضوضاء المحيطة.

وبتطبيق النظرية على اهتزازات الهاتف المحمول، يتبين شيوع الظاهرة، وأنها جزءٌ لا مفر منه ضمن الوظائف العقلية السليمة. فحين يكون الهاتف المحمول في جيب المستخدم فهو في واحدة من حالتين ممكنتين؛ إما أنه يُصدر رنيناً أو لا يُصدر، وبالمثال فالعقل حينها أمام احتمالين اثنين؛ إما أن يحكم بأن الهاتف يُصدر رنيناً، أو الحكم بأنه صامت.

ومن الواضح أن العقل والتفكير السليم يتطلب الموافقة الصحيحة بين الحالتين؛ أي الحكم بأن الهاتف يُصدر رنيناً أو اهتزازاً، ويكون كذلك بالفعل، وهو ما تسميه النظرية «نجاح»، أو الحكم بأن الهاتف لا يُصدر أي رنين، ويكون كذلك في الواقع، وما تُطلق عليه النظرية «الرفض الصحيح».

وإلى جانب هذه التوافقات الصائبة، توجد علاقتان إضافيتان؛ واحدة هي الربط بين حدوث اهتزازات أو رنين في الواقع والحكم بأن «الهاتف لا يُصدر رنيناً»، وهو ما تسميه «نظرية كشف الإشارة» «فقدان» أو «تفويت».

أما العلاقة الثانية فتربط بين الحكم بأن «الهاتف يُصدر رنيناً» وعدم وجود أي رنين أو اهتزاز في الحقيقة، وهو ما يسمى «الإنذار الكاذب» أو «الإنذار الخاطئ»، وهو ما يحدث حين يعتقد الشخص بسماعه رنين هاتفه أو شعوره باهتزازه في جيبه، ثم يكتشف أن ذلك غير صحيح.

ويمكن اعتبار أن هذا ما يحدث حين يُطلب من الدماغ إصدار أحكام، لكن الأمر يختلف مع تفاوت صعوبة الأحكام المطلوبة والظروف المحيطة، فربما من السهل أن يُقرر الشخص أنه سمع آخر يناديه باسمه أثناء وجوده في غرفة هادئة، بينما من الصعب أن يُقرر ذلك إذا ما وجد في غرفة صاخبة، وهو ما يتسبب في عدم التوافق بين الحكم والواقع بين حينٍ وآخر، سواء كان «فقداناً» أو «إنذاراً كاذباً».

وتابع ستارفيلد في مقاله بالقول إن «نظرية الكشف عن الإشارة» تُشير إلى طريقتين لتغيير معدل عدم التطابق بين الحكم والواقع، أفضلهما تغيير درجة الحساسية للشيء المطلوب اكتشافه أو إصدار الحكم بشأنه، ومن الناحية النظرية قد يعني ذلك في حالة الهواتف المحمولة ضبط الهاتف على درجة أعلى من الاهتزاز أو وضعه بالقرب.

ويتمثل الطريق الثاني في تحويل التحيز بغضّ النظر عن الواقع، بمعنى أن يكون الشخص أكثر ميلاً أو أقل ميلاً لإصدار الحكم بأن «الهاتف يُصدر رنيناً»، سواء كان ذلك يحدث حقاً أم لا، أي يُكذب إحساسه في كثير من المرات التي يشعر فيها باهتزاز الهاتف، أو يفعل العكس ويُخرج الهاتف للتحقق في كل مرة ينتابه هذا الشعور.

لكن اختيار هذا التحيز أو ذاك يتطلب المفاضلة بين المزايا والعيوب؛ فإذا كان الشخص لا يُمانع أن يُخرج هاتفه المحمول مرات عديدة ويكتشف أن الهاتف لا يُصدر رنيناً أو اهتزازاً، ستقل احتمالات أن يفوته تنبيه حقيقي، وبعبارة أخرى، يمكن للشخص التأكد أنه يلاحظ دائماً رنين الهاتف أو اهتزازه، وفي المقابل يتحمل عبء تلقّي إنذارات كاذبة، وإخراج الهاتف ليكتشف خطأ شعوره.

وتُمثل كلٌ من الحساسية والتحيز ميزتين للإدراك الحسي، تستقل كلٌ منهما عن الأخرى. وفي ما يخص الأولى، فكلما زادت حساسية نظام كلما أصبح أفضل؛ لأنه يكون حينها قادراً على تمييز الأوضاع الصحيحة. أما التحيز فيرتبط تحديد المستوى المناسب منه بالموازنة بين النتائج الإيجابية والسلبية المترتبة على عدم التطابق بين الواقع والحكم.

وبالعودة إلى الهواتف المحمولة، وبافتراض أن معظم الناس لا يحبون أن يفوتهم التنبيه بمكالمة واردة، يعني هذا أن أنظمة الإدراك الحسي لديهم قد ضبطت تحيزهم، ليصبح من غير المحتمل أن يفقدوا تنبيهات حقيقية، مع القبول بكلفة لا مفر منها، وهي التعرض للشعور باهتزازات وهمية.

لكن المفاضلة في الاختيار بين التعرض لإنذارات كاذبة أو «فقدان» بعض الإنذارات الحقيقية يختلف حين يتعلق الأمر بنظم الإنذار من الحريق مثلاً، فأحياناً تُصدر إنذارات كاذبة، ليس لأنها صُممت بشكل سيئ، بل لحساسيتها الشديدة للدخان والحرارة، وضبط تحيزها كي لا تتجنب التنبيه لأي خطر حقيقي مهما كلف الأمر من إطلاق إنذارات كاذبة؛ بسبب أن الأمر يتعلق بتعريض حياة أشخاص وممتلكات لخطر مميت كالحريق.

وفي نهاية المطاف، تعتمد جميع تصوراتنا على معلوماتنا عن العالم، وتحيزنا تجاه الموضوع استناداً إلى الخبرة السابقة، ما يعني أن الشعور بالاهتزازات الوهمية ليس نوعاً من الهلوسة المرضية، لكنه يعكس أن نظام الإدراك الحسي لدينا شبه المثالي يبذل ما في وسعه وسط معلومات غير مؤكدة في عالم صاخب.

 

طباعة