ميسي وصلاح.. ليلة مواجهة العمالقة بين آخر رقصات التانجو وحلم الفراعنة
يتأهب ملعب مرسيدس بنز في أتلانتا مساء اليوم الثلاثاء لاحتضان واحدة من أكثر المواجهات إثارة وعاطفية في دور الـ16 لمونديال 2026، حين يلتقي منتخبا الأرجنتين ومصر في صراع مباشر على بطاقة العبور إلى دور الثمانية، في ليلة تتجاوز حساباتها الفنية حدود المستطيل الأخضر لتصبح صراعاً مباشراً بين أسطورتين حيتين وأيقونتين وطنيتين شكلتا وجدان جيل كامل؛ ليونيل ميسي ومحمد صلاح.
ويأتي هذا اللقاء الكبير واللاعبان يمران بخريف مسيرتهما الرياضية الحافلة، حيث يبلغ ميسي من العمر 39 عاماً وصلاح 34 عاماً، وفي الوقت الذي ألمح فيه النجم الأرجنتيني إلى أن هذه النسخة ستكون الأخيرة له في المحفل العالمي، ما يزال الفرعون المصري يتمسك بالأمل في البقاء بالملاعب حتى مونديال 2030.
ورغم تشابه القيمة الرمزية لكليهما في بلده، إلا أن قصتهما مع المونديال تبدو مختلفة تماماً؛ فميسي يدخل المواجهة بصفته بطلاً للعالم وهدافاً تاريخياً للمسابقة واللاعب الأكثر مشاركة في تاريخها، بل إنه يتربع على صدارة هدافي النسخة الحالية، بينما يسطر صلاح فصلاً جديداً لبلاده بعدما قاد الفراعنة إلى الأدوار الإقصائية للمرة الأولى في تاريخهم خلال مشاركته المونديالية الثانية.
وجاء تأهل المنتخب المصري التاريخي بعد مسيرة شاقة لصلاح مع المنتخب عاند الحظ فيها رفاقه بخسارة نهائي كأس أمم أفريقيا مرتين عامي 2017 و2021، لكن قائد الفراعنة نجح في قيادة بلاده لكتابة التاريخ بعد تسجيله ركلة ترجيح حاسمة على طريقة «بانينكا» أمام أستراليا في دور الـ32، ليضرب موعداً مرتقباً يطمح أن يكون اللحظة الأكبر في مسيرته المونديالية.
وفي المعسكر الأرجنتيني، أصبح السؤال الذي يشغل بال الجميع هو ماذا ستفعل الأرجنتين بعد اعتزال ميسي؟ حيث تمثل كل مباراة جديدة خطوة نحو مجد غير مسبوق، وفرصة لمعادلة إنجاز إيطاليا والبرازيل التاريخي بالاحتفاظ باللقب، غير أنها تقرب الجماهير خطوة أخرى من نهاية حقبة قائدها الملهم الذي يرقص رقصة التانجو الأخيرة بقميص بلاده، مسجلا سبعة أهداف في هذه النسخة من كأس العالم ومحطماً الأرقام القياسية باللعب في المونديال السادس له والتسجيل في ثماني مباريات متتالية،.
ويبدو ميسي في الملعب وكأنه في 25 من عمره وليس 39 عاماً، مما يجعل كل انتصار تقدماً في البطولة وفرصة متجددة للاستمتاع بساحر وصل إلى مرتبة الأيقونة دييجو مارادونا في قلوب الأرجنتينيين.
وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) انتقد بعض المحللين الأرجنتينيين عودة المنتخب إلى عقلية «الاعتماد الكلي على ميسي» في هذه البطولة، بعد أن نجح المدرب ليونيل سكالوني سابقاً في بناء منظومة جماعية تخدم ميسي ولا تعتمد عليه بالكامل، وهو التحول الذي أنهى سلسلة من الانكسارات المريرة مثل خسارة نهائي مونديال 2014 ونهائيين في كوبا أمريكا، وقادهم لحصد لقب مونديال قطر 2022 ولقبين في كوبا أمريكا، لكن الأرقام الحالية تشير إلى تراجع تلك الجماعية؛ إذ سجل ميسي سبعة أهداف من أصل 11 هدفاً للأرجنتين في البطولة، ويبدو أن المهاجمين لاوتارو مارتينيز وجوليان ألفاريز باتا يلعبان كمزودين للكرات لقائدهما، بينما تراجع دور لاعبي الوسط إينزو فيرنانديز وأليكسيس ماك أليستر إلى المهام الدفاعية أكثر من البناء الهجومي، وكما هو الحال في العلاقات الإنسانية؛ كلما اقترب موعد الفراق، زادت الحاجة إلى وجود «البرغوث» والاستمتاع بوجوده.
وعلى الجانب الآخر، يمثل صلاح للشعب المصري ما هو أكثر بكثير من مجرد لاعب كرة قدم؛ إنه يجسد الفخر والبهجة والإلهام لملايين البشر يومياً، وتروي مسيرته القادمة من قرية صغيرة في نجريج وصولاً إلى أكبر الملاعب العالمية قصة كفاح تؤكد أن الإيمان والعمل الجاد يحققان المستحيل، ويستمد المصريون منه الأمل ليس في الرياضة فحسب بل في الحياة العامة، نظراً لتواضعه الشديد واحترامه الدائم وحرصه على تمثيل بلاده بأفضل صورة ممكنة.
وتختلف مشاعر الجماهير المصرية تماماً عندما يكون صلاح على أرض الملعب، وظهر هذا التلاحم الشعبي الجارف خلال المواجهة العصيبة أمام أستراليا التي حبست أنفاس العائلات والمشجعين في كل ثانية، قبل أن تتحول البلاد إلى ساحة احتفال كبرى كان صلاح في قلبها؛ يقود ويلهم ويمنح الثقة للجميع، فالشعب المصري يرتبط بقائده برابطة عاطفية عميقة تمنحهم الشعور بالفخر والأمل، فالنجم المصري لا يمثل لهم مجرد لاعب بارع، بل هو رمز وطني يجمع القلوب ويبعث في نفوسهم القوة والصبر والإيمان بضرورة المضي قدماً نحو تحقيق الحلم.