حكاية مونديالية.. القدر يجمع المغرب والبرازيل واسكتلندا بمجموعة واحدة بعد 28 عاماً
لم تكن قرعة كأس العالم 2026 لكرة القدم، عادية، بل لحظة أعادت عقارب الزمن إلى الوراء. فحين اجتمعت منتخبات المغرب والبرازيل واسكتلندا في مجموعة واحدة، عاد شريط الذكريات سريعا إلى نسخة 1998، حيث التقوا قبل 28 عاما في سيناريو لا يزال محفورا في ذاكرة المونديال.
لكن ما يبدو تكرارا للتاريخ على الورق، يخفي وراءه واقعا مختلفا تماما على أرض الملعب. فالعالم تغير، وكرة القدم تغيرت، وهذه المنتخبات نفسها لم تعد كما كانت.
في فرنسا 1998، دخلت البرازيل البطولة كقوة كاسحة لا تقهر، فيما كان المغرب يحاول إثبات نفسه، وكانت اسكتلندا مجرد منافس تقليدي يبحث عن بصمة. انتهت القصة حينها بطريقة قاسية على "أسود الأطلس"، الذين قدموا أداء مميزا، لكنهم غادروا رغم ذلك، بعد هدف متأخر للنرويج قلب كل الحسابات.
اليوم، وبعد ما يقارب ثلاثة عقود، تعود المواجهة من جديد، لكن بأدوار مختلفة تماما. لم يعد المغرب ذلك المنتخب الباحث عن الاعتراف، بل أصبح قوة عالمية صاعدة. ولم تعد البرازيل في قمة هيمنتها كما كانت، بل تبحث عن استعادة أمجادها. أما اسكتلندا، فتعود من غياب طويل وهي تحمل طموح إثبات الذات.
هذا التغير في موازين القوى يجعل من هذه المجموعة واحدة من أكثر مجموعات المونديال إثارة، حيث لا توجد حسابات سهلة، ولا مرشح واضح للهيمنة المطلقة.
التحول الأكبر بلا شك يخص المنتخب المغربي، الذي انتقل من مرحلة "المشاركة المشرفة" إلى "المنافسة الحقيقية". الإنجاز التاريخي في نسخة 2022 لم يكن مجرد مفاجأة، بل كان نقطة تحول غيرت نظرة العالم لكرة القدم المغربية.
واليوم، يدخل المغرب البطولة بثقة مختلفة، مدعوما بجيل مميز وطموحات تتجاوز مجرد التأهل.
في المقابل، تقف البرازيل أمام تحد من نوع آخر. منتخب البرازيل لم يفقد هيبته، لكنه لم يعد ذلك الفريق الذي يرعب الجميع دون نقاش. غياب لقب كأس العالم منذ 2002 وضعه تحت ضغط مستمر، وجعل كل مشاركة جديدة بمثابة اختبار للهوية. مع المدرب كارلو أنشيلوتي وجيل جديد من النجوم، يسعى "السيليساو" لاستعادة مكانته الطبيعية.
أما المنتخب الاسكتلندي، فيدخل البطولة بقصة مختلفة تماما. بعد غياب دام 28 عاما، يعود إلى المونديال بروح جديدة، مدعوما بجيل يملك الخبرة والطموح. لم تعد اسكتلندا مجرد رقم في المجموعة، بل فريق قادر على إحداث المفاجأة.
وهنا تكمن جاذبية هذه المجموعة: لا أحد يملك الأفضلية المطلقة، ولا شيء محسوم مسبقا. المغرب يملك الزخم، البرازيل تملك التاريخ، واسكتلندا تملك الدافع.
قد تتشابه الأسماء مع نسخة 1998، لكن الحقيقة أن هذه المواجهة تنتمي لعصر مختلف تماما. عصر لا يعترف بالماضي، بل يُكتب فيه كل شيء من جديد داخل المستطيل الأخضر.
وإذا كان الماضي قد رسم ملامح نسخة 1998 من هذه المجموعة، فإن نسخة 2026 تبدو وكأنها نسخة "معاد تشكيلها" من كل شيء. نفس المنتخبات، نفس القارة الكروية، لكن بأفكار مختلفة تماما، وبأجيال لا تشبه بعضها إطلاقا.
في الجانب المغربي، لم يعد الحديث عن "مفاجأة" أو "أداء مشرف"، بل عن مشروع كروي متكامل. المنتخب المغربي اليوم أصبح يعتمد على منظومة واضحة، تجمع بين الصلابة الدفاعية والجرأة الهجومية، وهو ما ظهر بوضوح في السنوات الأخيرة. التحول من منتخب يطمح لعبور الدور الأول، إلى منتخب ينافس على الأدوار المتقدمة، يعكس حجم التطور في البنية الكروية داخل البلاد.
هذا التطور لم يكن صدفة، بل نتيجة تراكمات بدأت منذ سنوات، وبلغت ذروتها في إنجاز مونديال 2022 ، حين أصبح المغرب أول منتخب إفريقي وعربي يصل إلى الدور قبل النهائي. ومنذ ذلك الحين، تغيرت نظرة العالم إليه كليا، وأصبح يعامل كقوة قائمة بذاتها، وليس مجرد منافس غير متوقع.
على الجانب الآخر، لا تزال البرازيل تحمل ثقل التاريخ. منتخب البرازيل هو الأكثر تتويجا بكأس العالم، لكن هذا التاريخ نفسه أصبح عبئا في السنوات الأخيرة. فكل جيل جديد يقارن بالأساطير السابقة، وكل إخفاق يتم تضخيمه بسبب حجم التوقعات.
وجود أنشيلوتي على رأس الجهاز الفني يعكس رغبة واضحة في إعادة بناء الهوية. أسلوب أكثر توازنا، ومحاولة لإيجاد مزيج بين المهارة البرازيلية التقليدية والانضباط الأوروبي الحديث.
ومع أسماء مثل فينيسيوس جونيور ورافينيا ، يبقى السؤال الأساسي: هل يستطيع هذا الجيل تحويل الموهبة إلى بطولة؟
أما اسكتلندا، فقصتها مختلفة تماما. حيث تعود إلى كأس العالم بعد غياب طويل امتد لـ28 عاما، وهي عودة تحمل طابعا عاطفيا بقدر ما هي فنية. الفريق لم يعد يعتمد على الحماس فقط كما في الماضي، بل أصبح أكثر تنظيما ونضجا داخل الملعب.
وجود لاعبين مثل سكوت ماكتوميناي وأندي روبرتسون يمنح المنتخب توازنا مهما بين الخبرة والطاقة، بينما يوفر المدرب ستيف كلارك هوية واضحة تعتمد على الانضباط واللعب الجماعي.
المثير في هذه المجموعة أن كل منتخب يدخل البطولة بدافع مختلف تماما. المغرب يلعب بثقة المشروع والطموح، البرازيل تلعب تحت ضغط التاريخ والانتظار، واسكتلندا تلعب بدافع العودة وإثبات الذات.
هذه التناقضات تجعل كل مباراة أشبه بصراع قصصي وليس مجرد صراع نقاط.
وعلى عكس نسخة 1998، لا توجد "مفاجأة اسمها المغرب" أو "مرشح واضح اسمه البرازيل". المعادلة أصبحت أكثر تعقيدا، لأن الفوارق بين المنتخبات الثلاثة لم تعد كبيرة كما كانت، ولأن كرة القدم الحديثة لم تعد تعترف بالأسماء فقط، بل بالمنظومة والجاهزية.