ترامب أشاد بغوتيريش لتأكيده أن المنظمة الدولية بحاجة إلى الإصلاح. رويترز

ضغوط أميركية متزايدة لإعادة هيكلة الأمم المتحدة وخفض النفقات

قبل تسع سنوات، وفي أول خطاب له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2017، وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الشكر إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، مشيداً بإدراكه أن المنظمة الدولية بحاجة إلى الإصلاح إذا كانت تريد أن تكون شريكاً فعالاً في مواجهة التهديدات التي تطال السيادة والأمن والازدهار.

لكن مرور السنوات لم يبدد الحاجة إلى الإصلاح، بل على العكس، يكشف واقع المنظمة الدولية أن المسار الإصلاحي لايزال دون مستوى التحديات المطروحة. ومن هذا المنظور، تبدو الرسالة التي حملها ترامب إلى الأمم المتحدة واضحة، حيث إن المنظمة تواجه، في حال عدم إجراء إصلاح شامل وجذري، خطر فقدان أهميتها وجدواها، فضلاً عن الضغوط المالية التي قد تدفعها إلى أزمة أكثر حدة.

ومع ذلك، فإن الصورة لا تخلو من مؤشرات إلى إمكانية التغيير. ففي مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، استخدم السفير الأميركي مايك والتز، وفريقه الدبلوماسي، النفوذ الذي تملكه واشنطن للضغط باتجاه مواءمة سياسات المنظمة الدولية مع عدد من الأولويات الأميركية.

ضغوط أميركية

وبرز هذا النهج في مجموعة من الملفات، منها ضغط الولايات المتحدة داخل مجلس الأمن من أجل إنهاء تفويض قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، وضمان دعم الأمم المتحدة لقوة مكافحة العصابات في هاييتي.

ولم تقتصر الضغوط الأميركية على الملفات السياسية والأمنية، بل امتدت بصورة مباشرة إلى الجانب المالي. فقد نجحت واشنطن في الضغط على الأمين العام للأمم المتحدة لفرض خفض بنسبة 15% في ميزانيات عمليات حفظ السلام التابعة للمنظمة، بما في ذلك تقليص أعداد الموظفين المدنيين والعسكريين بنسبة 25%.

كما خاض الدبلوماسيون الأميركيون مفاوضات أسفرت عن خفض الميزانية العادية للأمم المتحدة بنحو 270 مليون دولار، وإلغاء أكثر من 2900 وظيفة. ويمثل الإجراءان، وفق هذا الطرح، خفضاً غير مسبوق من الناحية التاريخية. وبعد احتساب الأرصدة المستحقة للدول الأعضاء، أسفرت هذه الإجراءات عن توفير نحو 126 مليون دولار للولايات المتحدة.

وفي الوقت نفسه، حصل السفير والتز وفريقه على دعم مبدئي لإجراء إصلاحات إضافية، من بينها مبادرة «UN 80» التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة عقب تولي ترامب منصبه، والتي تستهدف إعادة النظر في أداء المنظمة وهياكلها وسبل إدارة مواردها.

الوكالات المتخصصة

وامتدت الرسالة الأميركية إلى عدد من الوكالات المتخصصة في منظومة الأمم المتحدة. فبعد أن قرر البيت الأبيض تعليق تمويله للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهو ما أدى إلى إلغاء نحو نصف ميزانيتها الإجمالية، أجرت الوكالة تغييرات واسعة، استغلت من خلالها الأزمة المالية لإعادة هيكلة المنظمة، وخفض التكاليف، وإعادة ترتيب أولوياتها.

وشملت هذه التغييرات، وفق هذا الطرح، النظر إلى الحد من أعداد اللاجئين باعتباره جزءاً من الأولويات إلى جانب تقديم الدعم والحماية لهم.

والأمر نفسه ينطبق، بدرجات مختلفة، على المنظمة العالمية للأرصاد الجوية «أو. إم. دبليو»، التي تعتمد بدورها على الدعم المالي الأميركي الكبير. فقد استفادت المنظمة من قرار تعليق التمويل لإعادة النظر في ميزانيتها، وتقليص عدد موظفيها، فضلاً عن معالجة ما وصف بتضخم الهيكل البيروقراطي، وإجراء إصلاحات أخرى.

لكن الاستجابة لم تكن موحدة داخل منظومة الأمم المتحدة، حيث لم تستوعب جميع المؤسسات الرسالة الأميركية بالطريقة نفسها.

خلافات حول الرقابة

وعلى الرغم من ضخ واشنطن مبالغ غير مسبوقة بلغت نحو أربعة مليارات دولار خلال العام الماضي، رفض مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الاستجابة للمطالب الأميركية بالحصول على معلومات تتعلق بمزاعم الاحتيال وسوء استخدام التمويل الأميركي.

كما رفض المكتب السماح للمفتشين العامين الأميركيين بالاطلاع على المعلومات، رغم وجود مذكرة تفاهم مبرمة مع الولايات المتحدة. ويشكل هذا الملف، من وجهة النظر الأميركية، أحد أبرز جوانب الخلاف حول آليات الرقابة على الأموال التي تقدمها واشنطن للمنظمات الدولية.

وفي السياق نفسه، أصرت منظمة الصحة العالمية على عدم التعاون مع الولايات المتحدة بشأن مجموعة من الإصلاحات التي تطالب بها واشنطن، ومن بينها إجراء تحقيق مفصل حول منشأ فيروس «كورونا». وكان من شأن تنفيذ هذا التحقيق، بحسب الطرح الأميركي، أن يسهم في عودة الولايات المتحدة إلى الانخراط في عمل المنظمة حال إتمامه.

تعثر الإصلاح

ولايزال أمام الأمم المتحدة الكثير من العمل إذا كانت تريد تحويل الحديث عن الإصلاح إلى إجراءات عملية. فقد تعثرت عملية الإصلاح المعروفة باسم «UN 80»، لاسيما في الملفات المتعلقة بمراجعة التفويضات القديمة أو المكررة أو التي لم تعد ضرورية، فضلاً عن الجهود الرامية إلى دمج المنظمات التابعة للأمم المتحدة التي تتداخل مسؤولياتها.

كما لم تنفذ المقترحات الأميركية المتعلقة بخفض رواتب موظفي الأمم المتحدة، بحيث تصبح أقرب إلى رواتب نظرائهم من موظفي الخدمة المدنية الأميركيين، إضافة إلى مقترحات تهدف إلى تقليص الالتزامات المالية طويلة الأجل للمنظمة من خلال إصلاح نظام التقاعد الخاص بها.

وتلوح في الأفق أيضاً مفاوضات بشأن خفض حصة الولايات المتحدة من المساهمات المالية في الأمم المتحدة، وهي مساهمة إلزامية يتم احتسابها وفق معادلات محددة مسبقاً ضمن نظام توزيع الحصص المالية على الدول الأعضاء.

ومن هنا، يرى الطرح الأميركي أن واشنطن مطالبة باستثمار نفوذها المالي داخل الأمم المتحدة من أجل دفع هذه الإصلاحات إلى الأمام، خصوصاً أن تحقيقها، وفق هذا المنظور، يبدو أكثر صعوبة في غياب الضغط المباشر الذي يمارسه ترامب.

القوة المالية

يدرك ترامب أن القوة المالية تمثل إحدى أهم الأدوات التي تستطيع الولايات المتحدة استخدامها للتأثير في سياسات الأمم المتحدة وتوجهاتها. غير أن واشنطن أضعفت، على نحو أثار الاستغراب، جزءاً من هذا النفوذ عندما دفعت خلال الشهر الجاري 725 مليون دولار من المتأخرات المستحقة عليها للميزانية العادية للأمم المتحدة، وذلك قبل تنفيذ عدد من الإصلاحات التي تطالب بها الإدارة الأميركية.

ويثير هذا القرار تساؤلات حول توقيت استخدام الورقة المالية، خصوصاً أن دفع المتأخرات من دون الحصول مسبقاً على خطوات إصلاحية إضافية قد يقلل من قدرة واشنطن على استخدام التمويل كوسيلة ضغط في المفاوضات المقبلة، وفي المقابل، لا تقتصر القضية على حجم التمويل، وإنما تشمل أيضاً آليات الرقابة على كيفية إنفاقه.

اتفاقيات

وتحتاج الأمم المتحدة، في هذا الإطار، إلى معالجة أوجه القصور المتعلقة بالرقابة، استجابة للمطالب التي يطرحها الكونغرس الأميركي. ومن المفترض، وفق الرؤية المطروحة، أن تطالب إدارة ترامب بإبرام اتفاقيات مكتوبة مع جميع المنظمات الدولية التي تحصل على تمويل أميركي.

ويتعين أن تضمن هذه الاتفاقيات لهيئات الرقابة الأميركية المستقلة، بما فيها المفتشون العامون الأميركيون، صلاحية الوصول الشامل وعلى المستوى العالمي إلى السجلات والوثائق والموظفين.

والهدف من ذلك هو التحقق من عدم وجود صلات بين العاملين أو المتعاقدين من الباطن وبين المنظمات التي تصنفها الولايات المتحدة إرهابية، إضافة إلى التأكد من عدم إساءة استخدام أموال دافعي الضرائب الأميركيين أو سوء إدارتها.

وتطرح هذه المطالب مسألة أوسع تتعلق بطبيعة العلاقة بين التمويل الأميركي والمنظمات الدولية، فإلى أي مدى تستطيع واشنطن ربط مساعداتها ومساهماتها المالية بمعايير محددة للشفافية والرقابة والإصلاح؟ وإلى أي حد يمكن للمنظمات الدولية أن تستجيب لهذه المطالب من دون أن ترى فيها تدخلاً في استقلاليتها؟

انتهاء الموعد

وفي نهاية المطاف، تجاوزت عملية مراجعة المشاركة الأميركية في الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها الموعد النهائي الذي كان محدداً لها بفترة طويلة، كما أن المراجعة لم تشمل سوى عدد محدود من تلك المنظمات.

ويبدو أن أحد أبرز التحديات التي واجهت هذه السياسة تمثل في غياب الوضوح الكافي بشأن طبيعة التغييرات التي تريدها واشنطن، أو تلك التي يمكن أن تضمن استمرار الدعم الأميركي.

كما أن الولايات المتحدة لم تلتزم، وفق هذا الطرح، بمكافأة الإصلاحات من خلال استئناف المدفوعات بصورة موثوقة، وهو ما أضعف فعالية سياسة تقوم على الجمع بين «الترغيب والترهيب»، أي استخدام التمويل في بعض الحالات كحافز للإصلاح، أو كوسيلة ضغط في حالات أخرى.

وعلى الرغم من أن هذه العملية أسهمت في تحفيز بعض الإصلاحات داخل منظومة الأمم المتحدة، فإنها عانت في الوقت نفسه بطء التنفيذ ونقص الشفافية، الأمر الذي حدَّ من قدرتها على تحقيق نتائج أكثر وضوحاً.

بريت شيفر*

*باحث في معهد «أميركان إنتربرايز»

عن «ناشونال إنترست»

مراحل طويلة ومعقدة

تكشف التجربة الحالية أن مستقبل العلاقة بين واشنطن والأمم المتحدة لا يرتبط فقط بحجم المساهمات المالية الأميركية، وإنما أيضاً بقدرة المنظمة الدولية على الاستجابة لمطالب الإصلاح والشفافية والرقابة، وبقدرة الإدارة الأميركية في المقابل على صياغة مطالبها بصورة واضحة ومتسقة، وربط التمويل بنتائج قابلة للقياس.

وبينما يرى مؤيدو النهج الأميركي أن استخدام النفوذ المالي يمكن أن يدفع الأمم المتحدة نحو إصلاحات طال انتظارها، فإن استمرار الخلافات حول الرقابة والاستقلالية والتمويل، يؤكد أن عملية إعادة هيكلة المنظمة الدولية لاتزال أمامها مراحل طويلة ومعقدة.

. سياسة أميركا في استخدام التمويل للضغط أسهمت في تحفيز بعض الإصلاحات، لكنها عانت بطء التنفيذ ونقص الشفافية.

الأكثر مشاركة